العبادات

 

نظام الشعائر و العبادات

في مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام )

النظرية العامة لنظام الشعائر و العبادات

آية الله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم ( رحمه الله )

يحسن بنا أن نشير إلى الرؤية النظرية العامة التي يمكن أن نستخلصها من هذا الاستعراض للايام و الليالي ، و هنا تبدو امامنا عدة قضايا مهمة :

الاولى : أن الليالي الشريفة تتميز بالاحياء بالعبادة لما في الليل من خصوصية الخلوة باللّه تعالى للمناجات بالدعاء في العبادة له تعالى ، كما أن الاتجاه فيها هو الاهتمام بالطهارة المتمثلة بالغسل .

الثانية : أن الايام الشريفة كالاعياد تتميز بموضوع النظافة و الزينة، لذا جاء التأكيد ايضاً للغسل و الطيب و حسن الثياب ، و الاعمال الاجتماعية العامة بحيث أن الصلوات فيها تقسم بهذا الطابع ايضاً كما في صلوات الجمعة و العيدين ، و كذلك التأكيد لاهمية زيارة الاخوان و الانفاق و الاحسان و غيرها من المفردات الاجتماعية .

الثالثة : التعبير عن الولاء و الحب لاهل البيت و الارتباط بهم ، و كذلك التمجيد لاعمالهم و البراءة من اعدائهم ، و عمل هذه الاعمال يمثل ظاهرة عامة في جميع الليالي والايام الفاضلة ، ويبدو ذلك واضحاً من خلال التأكيد لزيارة الامام الحسين و الامام علي ( عليهما السلام ) فيها ، و كذلك الاكثار من الصلوات على النبي و آله ، بل ارتباط هذه الايام بمناسباتهم .

الرابعة : أن عبادة الصوم لها خصوصية في الايام الشريفة ، ففي يومي العيدين تحرم هذه العبادة ، و أما في الايام الاخرى فهي مستحبة بدرجة عالية كما في الايام الاربعة ، و أما في يوم الجمعة فلم يرد تأكيد استحباب صومه إلاّ في حالات خاصة مثل طلب الحاجة أو تكميل الصوم للاربعاء و الخميس .

الخامس : تقسيم الايام و الليالي على المراسم العبادية في اكثر اشهر السنة ، و هي رجب ، و شعبان ، و رمضان ، و شوال ، و ذو القعدة ، و ذو الحجة ، و ربيع الاول ، فإذا أضفنا إليها المناسبات الخاصة باهل البيت ( عليهم السلام ) تصبح هذه الايام على مدار السنة كلها .

السادسة : أن الكثير من التفاصيل في هذه الايام والليالي والاختلاف فيها إنما كان من اجل ملء محتوى هذه الخطوط العامة التي تمثل اتجاهاً في النظرية ، حيث كان ذلك ضمن المخطط العام الذي وضعه إئمة اهل البيت للتربية الروحية و الاخلاقية ، و بناء الارادة و التكامل النفسي و معالجة الامراض النفسية و الروحية .

السابعة : أن الملاحظ في الايام و الليالي أنها تمثل بمجمل برامجها و اعمالها امتداداً لايام الجمعة و العيدين و ليلة الجمعة و القدر ، بحيث تمثل الاعمال و العبادات في الايام و الليالي التي شرعها الاسلام في اصل الرسالة الإسلامية ، الاصل الذي تفرعت عنها بقية الاعمال و العبادات في الايام و الليالي الاخرى ، و بذلك نعرف أن ماجاء عن اهل البيت ( عليهم السلام ) بشأن هذه الايام و الليالي إنما هو من علمهم الواسع بتفاصيل الشريعة ، أو يعبر عن رؤية نظرية اصيلة و واقعية للشريعة و تشريعاتها ، بحيث يمكن أن ينفتح و يستنبط منها هذه التفاصيل استنباطاً صحيحاً يتطابق مع ما روي عن الامام علي ( عليه السلام ) من قوله : " علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم ، ينفتح لي من كل باب ألف باب " .

ثالثاً : المساجد و الاماكن المقدسة :

و من مفردات الشعائر الإسلامية لدى الجماعة الصالحة مفردة المساجد و الاماكن المقدسة ، حيث تحظى هذه المفردة بأهمية خاصة في نظرية أهل البيت ( عليهم السلام ) ، تتميز بسعتها و شمولها و عمقها ، و ذلك إلى جانب مفردة ( الايام المباركة ) التي تناولناها بالحديث السابق .

و مفردة الاماكن المقدسة من المفردات التي يجمع عليها المسلمون بل أقرتها جميع الاديان السماوية ، و العنوان العام للمكان المقدس عند المسلمين هو ( المسجد ) الذي هو مكان العبادة لدى المسلمين ، و قد أشير إليه في القرآن الكريم في عدة مواضع منها : قوله تعالى { إنما يعمرُ مساجد اللّه من آمن باللّه واليوم الاخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلاّ اللّه فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } [1] .

و قوله تعالى : { وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجد وادعوهُ مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون } [2] .

و قوله تعالى : { وأنَّ المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه احداً } [3] .

و كذلك في آيات اخرى .

و مصطلح المسجد خاص بالمسلمين في مقابل مصطلحات اخرى لاهل الاديان السابقة ، تدعى بها الاماكن المقدسة مثل ( الصومعة ) للنصارى و ( البيعة ) لليهود و ( المصلى ) للصابئة ، حيث وردت هذه المصطلحات في قوله تعالى : { ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدٌ يذكرُ فيها اسمُ اللّهِ كثيراً ولينصرنَّ اللّهُ من ينصرهُ إن اللّه لقويٌ عزيزٌ } [4] .

و قد كان للمسجد دور خاص في الاسلام و الشريعة الاسلامية لا يقتصر على العبادة وحدها ، بل كان له - إلى جانب ذلك - دور في الثقافة و التعليم و التعبئة السياسية و الروحية العامة ، كما كان يستفاد منه احياناً ـ و لا سيما في الصدر الاول للاسلام - في ادارة شؤون البلاد والقضاء و فصل الخصومات ، و بذلك اصبح المسجد مؤسسة عبادية ، ثقافية ، سياسية ، اجتماعية ، تمارس دورها الفعال في المجتمعات الاسلامية و تحظى بقدسية و احترام و تكريم .

و لذلك ايضاً نجد هذا القدر الكبير من النصوص التي وردت عن النبي ( صلى الله عليه و آله ) و اهل بيته الكرام ( عليهم السلام ) تتناول أحكام المساجد و آدابها و شؤونها ، و كيفية التعامل معها في تعظيمها و تقديسها و اعمارها بالبناء و العبادة ، و ثواب التردد عليها و الصلاة فيها أو الاعتكاف و المكث فيها [5] .

نظرية أهل البيت في الاماكن المقدسة :

و في احاديث و نظرية اهل البيت نجد أن هذه القدسية - في بعض ابعادها - تمتد إلى اماكن اخرى ، مثل بيوت النبي و اهل بيته و مشاهدهم الشريفة و بعض الاماكن التي ارتبطت تاريخياً بالانبياء و الصالحين من عباد اللّه ، بحيث صلى فيها هؤلاء الصالحون أو كان لها علاقة بهم أو بأحداثهم .

هذه النظرية تنطلق من رؤية الاسلام إلى قضية الاهتمام بالمواقع التي ارتبطت تاريخياً بالانبياء و الصالحين ، و الاحداث التي مرت بها رسالتهم ، حيث يستفاد من بعض الايات القرآنية و النصوص الاخرى التوجه في النظرية القرآنية إلى الاهتمام و العناية بالمعالم و الذكريات التاريخية التي تجسد حركتهم و مواقفهم و اعمالهم و شكرهم للّه تعالى ، و لزوم تكريسها و توظيفها تاريخياً .

و يمكن أن نجد الاساس لهذا الفهم في بعض الحوادث التي اثبتها القرآن الكريم ، و كذلك في بعض الشعائر التي اقرها أو وظَّفها القرآن الكريم ، أو المفاهيم التي ثبتها لجزء من معالم الرسالة الاسلامية . و كذلك في السيرة النبوية المباركة .

و نشير هنا إلى بعض هذه المعالم :

الاول : قضية اهل الكهف التي أشار القرآن الكريم فيها إلى أن المؤمنين الذين غلبوا على أمرهم في ذلك العصر ، اتخذوا عليهم مسجداً تمجيداً لموقف هؤلاء الصالحين الذين رفضوا الوثنية و الطغيان : { إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربهم اعلم بهم ، قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } [6] .

الثاني : تمجيد مقام إبراهيم ( عليه السلام ) و هو الصخرة التي كان يقف عليها لبناء الكعبة الشريفة ، حيث ورد في القرآن الكريم استحباب أو وجوب الصلاة عند المقام بعد الطواف كما في قوله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلىً } [7] ، و هذا مما يجمع عليه المسلمون .

الثالث : ما ورد في ادخال حجر اسماعيل في الطواف مع أنه ليس من الكعبة الشريفة و استحباب الصلاة فيه ، و ذلك لانه مدفن أمه و مجموعة من الانبياء ، و هذا مما يجمع عليه المسلمون .

الرابع : ما ورد في القرآن الكريم من التأكيد للسعي بين الصفا و المروة ، و أنه من شعائر اللّه كما في قوله تعالى : { إنَّ الصفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجَّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإنَّ اللّه شاكرٌ عليمٌ } [8] .

و يذكر تاريخياً وجود ارتباط بين هذا السعي و سعي هاجر أم اسماعيل لانقاذ ولدها من العطش ، الذي انتهى بعد ذلك إلى حصولها على ماء زمزم .

فقد روى الكليني بسند معتبر عن ابي عبد اللّه الصادق ( عليه السلام ) قال : " إن ابراهيم ( عليه السلام ) لما خلف اسماعيل بمكة عطش الصبيّ ، فكان فيما بين الصفا و المروة شجر فخرجت أمه حتى قامت على الصّفا فقالت : هل بالبوادي من أنيس ؟ فلم يجبها أحد ، فمضت حتى انتهت إلى المروة فقالت : هل بالبوادي من أنيس ؟ فلم تجب ، ثم رجعت إلى الصفا و قالت ذلك حتى صنعت ذلك سبعاً ، فأجرى اللّه ذلك سنّة . . . " [9] .

الخامس : ما ورد في تمجيد و تعظيم المسجد الاقصى لانه القبلة الاولى و محل عبادة الانبياء السابقين ، و مسرى و معراج رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) كما اشار إليه القرآن الكريم .

السادس : ما أجمع عليه المسلمون من احترام مسجد قبا ، حيث كان المسجد الذي بني على التقوى من أول يوم كما اشار القرآن الكريم ، و لانه كان الموضع الذي صلى فيه رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) عند قدومه للمدينة قبل أن يدخلها . و سوف يأتي الحديث عنه .

السابع : ما ثبته القرآن الكريم من مفهوم البيوت التي اذن اللّه تعالى أن ترفع و يذكر فيها أسمه ، و هي تلك البيوت التي يسكنها الصالحون من الناس كما في قوله تعالى : { في بيوت أذنَ اللّهُ أن تُرفعَ ويُذكرَ فيها اسمهُ يسبحُ لهُ فيها بالغدو والاصال * رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلبُ فيه القلوب والابصارُ } [10] .

و انطلاقاً من هذا الفهم نجد أن اهل البيت ( عليهم السلام ) - بسبب علمهم الواسع بتاريخ الرسالات الالهية و فهمهم الدقيق المستوعب للرسالة الاسلامية - قاموا بعمل تميزوا به ، و هو احياء معالم هذا التاريخ الالهي - سواء في الرسالات السابقة أو الرسالة الاسلامية – و الدعوة إلى تقديس هذه الاماكن و احياء تاريخها .

و يحظى المسجد الحرام و مسجد النبي ( صلى الله عليه و آله ) في المدينة المنورة ، و كذلك المسجد الاقصى في القدس الشريف ، بتقديس و احترام خاصين لدى جميع المسلمين .

و قد روى جمهور المسلمين بشأن فضل هذه المساجد الثلاثة أنه لا تشد الرجال إلاّ لها [11] ، و أنها تختص بهذا الاحترام و العمل الشرعي دون غيرها من المساجد الاخرى ، كما أن هذه المساجد ورد الحديث عنها في القرآن الكريم و لاسيما المسجد الحرام .

و لكن اهل البيت ( عليهم السلام ) اعطو هذه المفردة تصوراً واسعاً شاملاً من حيث الكم و الكيف .

أما من حيث الكيف فنجد أن الاحترام و التقديس من ناحية ، و الجذر التاريخي لهذه المساجد من ناحية اخرى و الاعمال المرتبطة بهذه الاماكن من ناحية ثالثة جاءت شاملة و واسعة .

و أما من حيث الكم فنجد أن هناك اماكن اخرى حظيت بهذا التقديس و الاحترام اجمالاً على اختلاف بينها في مستويات و درجات التقديس ، و من هذه الاماكن مسجد الكوفة و مسجد قبا و مسجد الخيف و مسجد السهلة أو السهيل و الحائر الحسيني و وادي السلام في النجف و حرم امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) و مسجد براثا و حرم الامام الرضا في طوس من خراسان و مشاهد أئمة اهل البيت ( عليهم السلام ) عامة .

أحكام المساجد :

و قبل الحديث عن تفاصيل اهم هذه المفردات يحسن بنا أن نتحدث قليلاً عن الاحكام العامة للمساجد في عدة نقاط [12] .

1 ـ يستحب الصلاة في المساجد و افضلها المسجد الحرام فالصلاة فيه تعدل الف الف صلاة ، ثم مسجد النبي ( صلى الله عليه و آله ) و الصلاة فيه تعدل عشرة آلاف ، و مسجد الكوفة و فيه تعدل ألف صلاة ، و المسجد الاقصى و فيه تعدل ألف صلاة ايضاً ، ثم المسجد الجامع و فيه تعدل مئة ، و مسجد القبيلة ( المحلة ) و فيه تعدل خمساً و عشرين ، و مسجد السوق و فيه تعدل اثني عشر .

و يستحب أن يجعل في بيته مسجداً أي مكاناً معداً للصلاة فيه ، و إن كان لا يجري عليه أحكام المسجد ، و الافضل للنساء الصلاة في بيوتهن و افضل البيت المخدع .

2 ـ يستحب الصلاة في مشاهد الائمة ( عليهم السلام ) ، و هي البيوت التي أمر اللّه تعالى أن ترفع و يذكر فيها اسمه ، بل هي أفضل من بعض المساجد .

3 ـ يستحب تفريق الصلاة في اماكن متعددة لتشهد له يوم القيامة ، ففي الخبر سأل الراوي ابا عبد اللّه ( عليه السلام ) عن الرجل يصلي نوافله في موضع أو يفرقها ، قال ( عليه السلام ) : " لا بل هنا و هنا فإنها تشهد له يوم القيامة " .

4 ـ يكره لجار المسجد أن يصلي في غيره لغير علة كالمطر . قال النبي ( صلى الله عليه و آله ) : " لا صلاة لجار المسجد إلاّ في مسجده " و يستحب ترك مؤاكلة من لا يحضر المسجد و ترك مشاربته و مشاورته و مناكحته و مجاورته .

5 ـ يكره تعطيل المسجد ، فعن أبي عبد اللّه الصادق ( عليه السلام ) : " ثلاثة يشكون إلى اللّه عَزَّ و جَلَّ : مسجد خراب لا يصلي فيه أهله ، و عالم بين جهال ، و مصحف معلق قد وقع عليه غبار لا يقرأ فيه " [13] .

6 ـ يستحب كثرة التردد إلى المساجد ، فعن النبي ( صلى الله عليه و آله ) : " من مشى إلى مسجد من مساجد اللّه فله بكل خطوة خطاها متى يرجع إلى منزله عشر حسنات و يمحى عنه عشر سيئات و يرفع له عشر درجات " [14] .

7 ـ يستحب بناء المسجد و فيه اجر عظيم قال رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) : " من بنى مسجداً في الدنيا اعطاه اللّه بكل شبر منه ( أو بكل ذراع منه ) مسيرة اربعين الف عام ، مدينة من ذهب و فضة و لؤلؤ و زبرجد " ، و عن الصادق ( عليه السلام ) : " من بنى مسجداً بنى اللّه له بيتاً في الجنة " .

8 ـ يحرم زخرفة المسجد أي تزيينه بالذهب ، و الاحوط ترك نقشه بالصور .

9 ـ لا يجوز بيع المسجد و لا بيع الاثر و إن صار المسجد خراباً ، و لا ادخاله في الملك .

10 ـ يحرم تنجيس المسجد و إذا تعرض للنجاسة وجب ازالتها على المكلفين فوراً ، و يحرم ادخال ما يوجب هتكه من الاشياء .

11 ـ يستحب للانسان المؤمن أن يسبق الناس في الدخول إلى المسجد و التأخر عنهم في الخروج منه .

12 ـ يستحب خدمة المسجد كالاسراج فيه ، و تنظيفه بالكنس و المسح ، و الابتداء في الدخول فيه بالرجل اليمنى و في الخروج بالرجل اليسرى ، و أن يلتفت إلى نعله و حذائه لئلا يكون فيه الاوساخ و النجاسات ، و أن يستقبل القبلة فيه و يدعو اللّه و يحمده و يصلي على النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، و أن يكون على طهارة و وضوء .

13 ـ يستحب صلاة التحية في المسجد بعد الدخول فيه و هي ركعتان ، و يجزي عنها الصلاة الواجبة أو النافلة أو الصلوات المستحبة الاخرى .

14 ـ يستحب التطيب للمسجد وأن يلبس الثياب الفاخرة والنظيفة عند التوجه إليه .

15 ـ يكره للانسان الاستطراق في المساجد بأن يجعلها طريقاً له ، إلاّ أن يصلي فيها ركعتين ، و كذا يكره له القاء النخامة و النخاعة أو النوم فيه إلاّ لضرورة ، أو رفع الصوت فيه إلاّ في الاذان و نحوه كالوعظ و الارشاد أو الدروس و المحاظرات ، و يكره حذف الحصى و رميها ، و قراءة الاشعار غير المواعظ و نحوها من مدائح و مراثي اهل البيت ( عليهم السلام ) ، و يكره البيع و الشراء و التكلم في امور الدنيا الشخصية لانه محلّ العبادة و الفائدة العامة ، و يكره اظهار السلاح و جعله إلى القبلة و دخول من اكل البصل و الثوم و نحوهما مما له رائحة تؤذي الناس و المصلين ، و يكره ايضاً تمكين الاطفال أو المجانين من الدخول فيها أو اتخاذها محلاً لعمل الصنائع ، و التعري فيها وكشف العورة حتى مع الامن من الناظر أو كشف السرة و الفخذ و الركبة ، و اخراج الريح و غير ذلك من الاعمال التي تعتبر على خلاف الاداب العامة .

1 ـ المسجد الحرام و البيت الحرام و مكة :

المسجد الحرام هو المسجد الذي يحيط بالكعبة الشريفة التي هي البيت الحرام ، و هو أول بيت وضع للناس : { إنَّ أول بيت وضعَ للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين * فيه آيات بينات مقامُ ابراهيم ومن دخلهُ كان آمناً وللّه على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً . . . } [15] .

و في المسجد الحرام مقام ابراهيم الذي ورد النص في القرآن الكريم بالصلاة فيه : { واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى } ، و لذا فالمسجد الحرام هو اول مسجد عرفته البشرية في تاريخها .

و قد تحدث عنه القرآن الكريم في مواضع عديدة باسمه الصريح و هو المسجد الحرام ، كما اشار إليه عندما تحدث عن الكعبة الشريفة و البيت الحرام و بنائها ، و جعلها من قبل اللّه تعالى مثابة للناس و أمناً و طهرها للطائفين و العاكفين و الركع السجود ، و كذلك عن الحج و قيام الناس و الصلاة عنده [16] ، فإن كل ذلك أنما يمارس في المسجد الحرام .

و قد سبق في الحج أن البيت الحرام كان يحج إليه قبل آدم بالفي عام ، كما ورد في الروايات أن اول ما خلق اللّه تعالى من الارض كان موضع البيت ، و أنه قد دحا الارض من تحته [17] .

كما يبدو من مجموعة أخرى من الروايات أن تصميم البيت و الطواف حوله قد بدأ منذ القرار الالهي بخلق آدم الذي يتحدث عنه القرآن الكريم : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الارض خليفة . . . } [18] .

و أن اللّه تعالى جعله في منطقة وعرة ( بوادي غير ذي زرع ) كما يعبر القرآن الكريم ، من أجل أن يختبر طاعة عباده و انقيادهم له في تعظيمه و زيارته [19] .

و يبدو من بعض الروايات المعتبرة أن حد المسجد الحرام الذي وضعه ابراهيم ( عليه السلام ) كان واسعاً ، بحيث كان يشمل ما بين الحزورة [20] إلى المسعى ، و في بعضها جاء التعبير أن حده ما بين الصفا و المروة فيكون اوسع من المسجد الفعلي [21] .

كما أن الكعبة الشريفة كانت في زمن ابراهيم تسعة أذرع ، ثم زيدت في زمن قريش إلى ثمانية عشر ذراعاً ، ثم في زمن الحجاج إلى سبعة و عشرين ذراعاً [22] .

و حجر اسماعيل ليس من الكعبة و إنما هو مدفن أمه هاجر و جماعة من الانبياء ، و كان ادخاله في الطواف من أجل كراهة وطء هذه القبور [23] .

و تدل بعض النصوص المعتبرة على أن الحجر الاسود كان من الجنة ، و أن اللّه تعالى وضعه في هذا المكان من الكعبة بعد أن التقم ميثاق الخلق كلهم ، و هو شاهد في يوم القيامة على من أدى الامانة و الميثاق و الموافاة ، و منه جاء الدعاء عند استلام الحجر : " أمانتي اديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة يوم القيامة " [24] .

و للكعبة فضل عظيم عند اللّه تعالى و قد أعظم حرمتها مع البيت الحرام ، سواء على مستوى الاثار التكوينية أو الشرعية أو الاجر والثواب المترتب على تقديسها ، أو الطواف حولها أو الصلاة في المسجد الحرام .

فقد ورد في القرآن الكريم قصة أصحاب الفيل الذين رماهم اللّه تعالى بحجارة من سجيل ، بواسطة الطير الابابيل لانهم قصدوا هدم الكعبة ، و كان قبل ذلك ما اشارت إليه النصوص مما اصاب ( تبع ) عند نيته لهدمها ثم عدوله عن ذلك و تعظيمه لها [25] . و هكذا شاء اللّه تعالى أن ينزل عقوبته بكل جبار قصدها بشر ، و قد ورد في الحديث عن امير المؤمنين أنه قال : " مكة حرم اللّه و المدينة حرم رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) و الكوفة حرمي لا يريدها جبار إلاّ قصمه اللّه " [26] .

و باعتبار هذه الحرمة الخاصة للبيت الحرام كانت مصالحه مقدمة على جميع المصالح الاخرى في مكة ، كما يشير إلى ذلك بعض النصوص [27] .

و قد حرّم اللّه تعالى على المشركين دخول المسجد الحرام ، كما نص على ذلك القرآن الكريم [28] .

كما ورد في النصوص المعتبرة أن من أحدث في الكعبة متعمداً استحق القتل [29] . و قد ورد بطريق معتبر عن ابي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : " لا ينبغي لاحد أن يرفع بناءً فوق بناء الكعبة " [30] .

و قد ورد في فضل الكعبة روايات كثيرة ، منها ما روي بطريق معتبر عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) : " إن اللّه عَزَّ و جَلَّ ما خلق بقعة في الارض أحب إليه منها ، و إن النظر إليها عبادة " [31] .

كما ورد عن رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) : " إن النظر إليها يهدم الخطايا هدماً " [32] .

و بطريق معتبر عن الصادق : " إن اللّه تعالى حول الكعبة عشرين و مئة رحمة ، منها ستون للطائفين و اربعون للمصلين و عشرون للناظرين " [33] .

كما ورد في حديث آخر معتبر عن الصادق ( عليه السلام ) قال : " من نظر إلى الكعبة فعرف من حقنا و حرمتنا مثل الذي عرف من حقها و حرمتها ، غفر اللّه له ذنوبه كلها و كفاه هم الدنيا و الاخرة " [34] .

و الصلاة في المسجد الحرام هي افضل الصلوات ، و قد ورد أنها أفضل من الصلاة بمسجد رسول اللّه ، حيث تعدل الصلاة في المسجد الحرام الف صلاة في مسجد رسول اللّه ، و الصلاة في مسجد رسول اللّه تعدل الف صلاة في غيره من المساجد غير المسجد الحرام ، أو مئة الف صلاة في غيره [35] من المساجد .

كما ورد في رواية اخرى عن ابي حمزة الثمالي ، عن ابي جعفر ( عليه السلام ) أنه قال : " من صلّى في المسجد الحرام صلاة مكتوبة قبل اللّه منه كل صلاة صلاها منذ يوم وجبت عليه الصلاة ، و كل صلاة يصلّيها إلى أن يموت " [36] .

و قد فضل اللّه تعالى مكة المكرمة لفضل المسجد الحرام و الكعبة ، حيث ورد أن افضل البقاع هي مكة و افضل بقاعها البيت الحرام ، و افضل بقاع المسجد هو ما بين الركن الاسود و المقام و باب الكعبة و هو حطيم اسماعيل [37] .

و قد ورد في فضلها و فضل العبادة فيها و العمل الصالح و مجاورتها و العذاب الاليم لمن ارتكب الاثم فيها نصوص متعددة منها قوله تعالى : { ومن يُردْ فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } [38] .

كما أن اللّه تعالى جعل حرم مكة حرماً آمناً لمن دخله إلى قيام الساعة ، و لا يجوز فيه صيد البر و لا قلع الاشجار إلاّ ما استثني ، و لا ينبغي فيه حمل السلاح ظاهراً و إخافة الناس و غير ذلك من الاحكام .

و لكل من الحرم و مكة و المسجد الحرام و الكعبة المشرفة آداب و رسوم و اعمال اشرنا إلى بعضها في الحج ، و يحسن الاطلاع عليها من خلال كتب الحج و احكامه و آدابه و مستحباته .

2 ـ مسجد النبي ( صلى الله عليه و آله ) :

و يأتي في الفضل بعد المسجد الحرام مسجد الرسول ( صلى الله عليه و آله ) في المدينة ، و قد سبق أن فضل الصلاة في مسجد رسول اللّه تعدل الف صلاة ، و قد ورد في عدة روايات أخرى أن الصلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة [39] .

و توجد في مسجد النبي روضة من رياض الجنة ، و هي المكان الذي يقع بين بيت رسول اللّه الذي هو محل قبره الشريف و منبره صلوات اللّه عليه و على آله الطاهرين .

فقد روى الكليني في الكافي بسند معتبر عن معاوية بن وهب قال : " قلت لابي عبد اللّه ( عليه السلام ) : هل قال رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) : ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة ؟ فقال : نعم ، و قال : و بيت علي و فاطمة ( عليهما السلام ) مابين البيت الذي فيه النبي ( صلى الله عليه و آله ) إلى الباب الذي يحاذي الزقاق إلى البقيع ، قال : فلو دخلت من ذلك الباب و الحائط مكانه أصاب منكبك الايسر ، ثم سمّى سائر البيوت ، و قال : قال رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) : الصلاة في مسجدي تعدل الف صلاة في غيره إلاّ المسجد الحرام فهو افضل " [40] .

كما ورد في حديث آخر ان قبره الشريف على ترعة من ترع الجنة [41] .

و قد ورد في عدة روايات و بعضها بسند معتبر عن الامام الصادق ( عليه السلام ) أن الصلاة في بيت فاطمة أفضل من الصلاة في الروضة .

فقد روى الكليني في الكافي عن يونس بن يعقوب قال : " قلت لابي عبد اللّه ( عليه السلام ) : الصلاة في بيت فاطمة أفضل أو في الروضة ؟ قال : في بيت فاطمة " [42] .

و في رواية اخرى أن الصلاة في بيوت النبي ـ و بيت علي منها ـ مثل الصلاة في مسجد النبي ، بل هو افضل منها [43] ، و بيت علي و فاطمة هو ما بين البيت الذي فيه النبي ( صلى الله عليه و آله ) إلى الباب الذي يحاذي الزقاق إلى البقيع [44] .

و حدود مسجد الرسول على ما جاء في رواية اعتبرها جماعة من كبار العلماء هو ثلاثة آلاف و ستمئة ذراع مكسرة [45] .

قد جاء حدُّ المسجد و حدُّ الروضة في روايتين صحيحتين ، فعن أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال : " حد الروضة في مسجد الرسول ( صلى الله عليه و آله ) إلى طرف الظلال ، و حدُّ المسجد إلى الاسطوانتين عن يمين المنبر إلى الطريق مما يلي سوق الليل " [46] .

و عن محمد بن مسلم قال : " سألته عن حد مسجد الرسول ( صلى الله عليه و آله ) قال : الاسطوانة التي عند رأس القبر إلى الاسطوانتين من وراء المنبر عن يمين القبلة ، و كان من وراء المنبر طريق تمر فيه الشاة و يمر الرجل منحرفاً و كان ساحة المسجد من البلاط إلى الصحن " [47] .

و اضافة إلى فضل المسجد و الروضة و بيوت النبي و علي و فاطمة ، توجد في مسجد النبي ( صلى الله عليه و آله ) مواقع اخرى لها فضل و فيها بركة ، و ذلك مثل منبر النبي ( صلى الله عليه و آله ) و محرابه الذي كان يصلي فيه .

فقد روى الكليني في الكافي بسند معتبر عن معاوية بن عمّار قال : " قال ابو عبداللّه ( عليه السلام ) : إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي ( صلى الله عليه و آله ) فأت المنبر فأمسحه بيدك و خذ برمانتيه ، و هما السفلاوان ، و امسح عينيك و وجهك فأنه يقال : إنه شفاء للعين ، و قم عنده و احمد اللّه و أثن عليه و سل حاجتك ، فإن رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) قال : ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة و منبري على ترعة من ترع الجنة ، و الترعة هي الباب الصغير ، ثم تأتي مقام النبي ( صلى الله عليه و آله ) فتصلي فيه ما بدالك " [48] .

و من هذه المواقع مقام جبرئيل ( عليه السلام ) الذي كان يقف فيه مستأذناً النبي ( صلى الله عليه و آله ) عند الدخول عليه .

فقد روى الكليني في الكافي بسند معتبر عن معاوية بن عمار قال : " قال أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) : ائت مقام جبرائيل ( عليه السلام ) و هو تحت الميزاب ، فانه كان مقامه إذا استأذن على رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) فقال : أي جواد أي كريم أي قريب أي بعيد ، أسألك أن تصلّي على محمد و اهل بيته ، و أن تردّ عليّ نعمتك " [49] .

و من هذه المواقع الاسطوانات الثلاثة ، و هي اسطوانة ابي لبابة [50] المعروفة بأسطوانة التوبة ، و الاسطوانتان اللتان تليانها باتجاه مصلى النبي و مقامه و محرابه ، حيث استحب لزائر قبر النبي و مسجده أن يقوم بعمل مخصوص عندها .

فقد روى الكليني في الكافي و الشيخ الطوسي في التهذيب عدة روايات بأسانيد معتبرة تذكر هذه المواقع و الاعمال التي تؤدى فيها .

عن محمد بن الحسن ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال : " إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم اربعاء ، و تصلي ليلة الاربعاء عند أسطوانة أبي لبابة ، و هي أسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من السماء ، و تقعد عندها يوم الاربعاء ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي ( صلى الله عليه و آله ) ليلتك و يومك ، و تصوم يوم الخميس ، ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي ( صلى الله عليه و آله ) و مصلاه ليلة الجمعة فتصلي عندها ليلتك و يومك و تصوم يوم الجمعة ، فإن استطعت أن لا تتكلم بشيء في هذه الايام فافعل إلاّ ما لابدّ لك منه ، و لا تخرج من المسجد إلاّ لحاجة ، و لا تنام في ليل و لا نهار فافعل فإن ذلك مما يعد فيه الفضل ، ثم احمد اللّه يوم الجمعة و أثن عليه و صل على النبي ( صلى الله عليه و آله ) و سل حاجتك ، و ليكن فيما تقول : اللّهم ما كانت لي إليك من حاجة شرعت لنا في طلبها و التماسها أو لم أشرع ، سألتكها أو لم أسألكها فإني أتوجه إليك بنبيك محمد ( صلى الله عليه و آله ) نبي الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها و كبيرها ، فإنك حري أن تقضى حاجتك إنشاء اللّه تعالى " [51] .

3 ـ المساجد في المدينة المنورة :

و توجد في المدينة المنورة مجموعة من المساجد الشريفة التي تشرفت بصلاة رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) في مواضعها ، و بنيت عليها المساجد أو تصدى رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) لبناءها .

و اهم هذه المساجد و افضلها هو مسجد ( قبا ) الذي وردت الاشارة إليه في القرآن الكريم في قوله تعالى : { لَمسجد أُسّس على التقوى من أول يوم أحقّ أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا واللّه يحب المتطهّرين } [52] .

و قد ورد عن رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) أنه قال : " من أتى مسجدي مسجد قبا فصلّى فيه ركعتين رجع بعمرة " [53] .

و كذا يوجد مسجد الفضيح ، و هو الموقع الذي ردت فيه الشمس لامير المؤمين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، و قد صلى فيه النبي ( صلى الله عليه و آله ) .

و مسجد الاحزاب و الفتح ، و هو المكان الذي دعا فيه النبي بالفتح لعلي ( عليه السلام ) عندما برز لقتال عمرو بن عبد ود العامري في معركة الاحزاب .

و مشربة ام ابراهيم حيث كانت مسكن رسول اللّه و مصلاه في قبا عند وروده إلى المدينة .

و مسجد اُحد و قبور الشهداء فيه و منها قبر حمزة بن عبد المطلب عم رسول اللّه و سيد الشهداء .

فقد روى الكليني في الكافي عن معاوية بن عمار قال : " قال أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) : لا تدع إتيان المشاهد كلها : مسجد قبا فإنه المسجد الذي اُسس على التقوى من اول يوم ، و مشربة ام ابراهيم ، و مسجد الفضيح ، و قبور الشهداء ، و مسجد الاحزاب ، و هو مسجد الفتح . قال : و بلغنا أن النبي ( صلى الله عليه و آله ) كان إذا اتى قبور الشهداء قال : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار . و ليكن فيما تقول عند مسجد فتح : يا صريخ المكروبين ، و يا مجيب دعوة المضطرين اكشف همّي و غمّي و كربي ، كما كشفت عن نبيك همّه و غمّه و كربه و كفيته هول عدوّه في هذا المكان " [54] .

و عن عقبة بن خالد قال : " سألت أبا عبد اللّه ( عليه السلام ) : إنا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيّها أبدأ ؟ قال : ابدأ بقبا فصل فيه و اكثر فانه اول مسجد صلى فيه رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) في هذه العرصة ، ثم ائت مشربة ام ابراهيم فصل فيها فإنها مسكن رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) و مصلاه ، ثم ائت مسجد الفضيح فتصلي فيه فقد صلى فيه نبيك ، فإذا قضيت هذا الجانب أتيت جانب اُحد فبدأت بالمسجد الذي دون الحيرة فصلّيت فيه ، ثم مررت بقبر حمزة بن عبد المطلب فسلّمت عليه ، ثم مررت بقبور الشهداء فقمت عندهم فقلت : السلام عليكم يا اهل الدّيار أنتم لنا فرط و إنا بكم لا حقون ، ثم تأتي المسجد الذي في المكان الواسع إلى جنب الجبل عن يمينك ، حتى تأتي احداً فتصلي فيه فعنده خرج النبي ( صلى الله عليه و آله ) إلى احد حين لقي المشركين ، فلم يبرحوا حتى حضرت الصلاة فصلّى فيه ، ثم مرّ ايضاً حتى ترجع فتصلّي عند قبور الشهداء ما كتب اللّه لك ، ثم امض على وجهك حتى تأتي مسجد الاحزاب فتصلّي فيه و تدعو الله ، فإن رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) دعا فيه يوم الاحزاب و قال : يا صريخ المكروبين ، و يا مجيب دعوة المضطرين ، و يا مغيث المهمومين اكشف همّي و كربي و غمّي فقد ترى حالي و حال اصحابي " [55] .

و عن عمار بن موسى في حديث عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) في مسجد الفضيح ، أن قصة رد الشمس لامير المؤمنين ( عليه السلام ) كانت في هذا المسجد [56] .

و هناك مساجد اخرى معروفة في المدينة ، كمسجد القبلتين الذي يروى أن آية تغيير القبلة نزلت فيه : { قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام } [57] .

و كذلك مسجد الغمامة ، و هو الموضع الذي اضلت فيه الغمامة رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) من حر الشمس ، و المساجد الخمسة المنسوبة إلى أبي بكر و عمر و عثمان و علي و فاطمة ، و مسجد المباهلة و هو المكان الذي باهل فيه النبي نصارى نجران ، و اشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى : { فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهلْ فنجعلْ لعنة اللّه على الكاذبين } [58] ، و مسجد سلمان الفارسي [59] .

و من هذه الاماكن الشريفة في المدينة معرّس رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) ، و هو المكان الذي أقام فيه رسول اللّه عند رجوعه من مكة إلى المدينة و كان يصلي فيه ، فقد روى الكليني في الكافي مجموعة من الروايات منها هذه الرواية المعتبرة عن معاوية بن عمار قال : " قال ابو عبد اللّه ( عليه السلام ) : إذا انصرفت من مكة الى المدينة و انتهيت إلى ذي الحليفة و أنت راجع إلى المدينة من مكة ، فأتِ معرّس النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، فإن كنت في وقت صلاة مكتوبة أو نافلة فصل فيه ، و ان كان [60]في غير وقت صلاة مكتوبة فانزل فيه قليلاً ، فإن رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) قد كان يعرّس فيه و يصلّي فيه " [61] .

و في الطريق بين مكة و المدينة يوجد مسجد الغدير ، و هو الموضع الذي اقام فيه رسول اللّه في غدير خم و نصب فيه علياً ( عليه السلام ) للامامة و الولاية .

فقد روى الكليني بسند معتبر عن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : " سألت ابا ابراهيم ( عليه السلام ) عن الصلاة في مسجد غدير خم بالنهار و أنا مسافر ، فقال : صل فيه فإن فيه فضلاً ، و قد كان أبي يأمر بذلك " [62] .

4 ـ الكوفة و مساجدها :

للكوفة في نظر اهل البيت ( عليهم السلام ) منزلة خاصة ، سواء في البعد التاريخي أو في البعد السياسي و موقفها الولائلي لاهل البيت ( عليهم السلام ) ، أو في البعد الثقافي و دورها في حمل رسالة وثقافة اهل البيت ( عليهم السلام ) ، أو في بعدها المستقبلي و الادوار التي يمكن أن تقوم بها .

و قد وردت روايات كثيرة تبلغ حد الاستفاضة إن لم نقل التواتر عن اهل البيت ، تؤكد هذه المنزلة الخاصة لها إجمالاً و بقطع النظر عن بعض التفاصيل التي لا يمكن إثباتها بالطرق العلمية .

و يؤكد هذه الحقائق التي رواها الرواة عن اهل البيت ( عليهم السلام ) نتائج بعض الدراسات العلمية ( الاثارية ) ، و كذلك بعض النصوص القديمة الاصلية للكتب الدينية كالتوراة و الزبور [63] .

فعن ابي بكر الحضرمي ، عن ابي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : " قلت له : أي البقاع أفضل بعد حرم اللّه و حرم رسوله ؟ قال : الكوفة يا ابا بكر ، هي الزكية الطاهرة ، فيها قبور النبيين و المرسلين و غير المرسلين و الاوصياء الصادقين ، و فيها مسجد سهيل الذي لم يبعث اللّه نبياً إلاّ و قد صلّى فيه ، و فيها يظهر عدل اللّه ، و فيها يكون قائمه و القوام من بعده ، و هي منازل النبيين و الاوصياء و الصالحين " [64] .

و عن سليم مولى طربال و غيره قال : " قال ابو عبد اللّه ( عليه السلام ) : نفقة درهم بالكوفة تحسب بمئة درهم فيما سواها ، و ركعتان فيها تحسب بمئة ركعة " [65] .

و عن عاصم بن عبد الواحد المديني قال : " سمعت أبا عبد اللّه ( عليه السلام ) يقول : مكة حرم اللّه ، و المدينة حرم محمد ( صلى الله عليه و آله ) ، و الكوفة حرم علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . إن علياً حرَّم من الكوفة ما حرّم ابراهيم من مكة و ما حرّم محمد ( صلى الله عليه و آله ) من المدينة " [66] .

و عن اسحاق بن يزداد قال : " أتى رجل ابا عبد اللّه ( عليه السلام ) فقال : إني قد ضربت على كل شيء لي ذهباً و فضة و بعت ضياعي فقلت : أنزل مكة ، فقال : لا تفعل فإن اهل مكة يكفرون باللّه جهرة ، قال : ففي حرم رسول اللّه ؟ قال : هم شرّ منهم ، قال : فأين انزل ؟ قال : عليك بالعراق الكوفة ، فإن البركة منها على اثني عشر ميلاً هكذا و هكذا ، و إلى جانبها قبر ما أتاه مكروب قطّ و لا ملهوف إلاّ فرّج اللّه عنه " [67] .

و عن أبي أسامة ، عن ابي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال : " سمعته يقول : الكوفة روضة من رياض الجنة ، فيها قبر نوح و ابراهيم ( عليهما السلام ) و قبر ثلاثمئة نبي و سبعين نبياً و ستمائة وصيّ و قبر سيد الاوصياء امير المؤمنين ( عليه السلام ) " [68] .

إلى جانب هذه الابعاد نجد مجموعة من الاماكن المقدسة في الكوفة تزيدها اهمية و فضلاً و قدسية .

أ ـ المسجد الاعظم في الكوفة :

و يأتي المسجد الاعظم في الكوفة في مقدمة هذه الاماكن المقدسة ، إذ وردت في قدسيته و فضل الصلاة و العبادة فيه روايات كثيرة عن اهل البيت ( عليهم السلام ) نذكر بعضها .

فقد روى الكليني في الكافي و الصدوق في المجالس و الامالي و البرقي في المحاسن و ابن قولويه في كامل الزيارات و الشيخ الطوسي في التهذيب بسند عن هارون بن خارجة ، عن ابي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال : " قال لي : يا هارون بن خارجه ، كم بينك و بين مسجد الكوفة ، يكون ميلاً ؟ قلت : لا ، قال : فتصلّي فيه الصلوات كلها ؟ قلت : لا ، قال : أما لو كنت بحضرته لرجوت أن لا تفوتني فيه صلاة ، و تدري ما فضل ذلك الموضع ؟ ما من عبد صالح و لا نبيّ إلاّ و قد صلّى في مسجد كوفان ، حتى إن رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) لما أسري به قال له جبرئيل : أتدري أين أنت الساعة يا رسول اللّه ؟ قال : أنت مقابل مسجد كوفان . قال : فاستأذن لي ربي حتى آتيه فاُصلّي ركعتين ، فاستأذن اللّه عَزَّ و جَلَّ فأذن له ، و إن ميمنته لروضة من رياض الجنة ، و إن وسطه لروضة من رياض الجنة ، و إن مؤخرّه لروضة من رياض الجنة ، و إن الصلاة المكتوبة فيه لتعدل بألف صلاة ، و إن النافلة فيه لتعدل بخمسمئة صلاة ، و إن الجلوس فيه بغير تلاوة و لا ذكر لعبادة ، و لو علم الناس ما فيه لاتوه و لو حبواً " [69] .

كما روى الشيخ الطوسي في التهذيب و الصدوق في من لا يحضره الفقيه عن علي بن مهزيار بإسناد له قال : " قال ابو عبد اللّه ( عليه السلام ) : حد مسجد الكوفة آخر السراجين خطه آدم ، و أنا أكره أن ادخله راكباً ، قال : قلت : فمن غيّره عن خطّته ؟ قال : أمّا أوّل ذلك فالطوفان في زمن نوح ، ثم غيّره أصحاب كسرى و النعمان ، ثم غيّره زياد بن أبي سفيان " [70] .

و عن نجم بن حطيم ، عن ابي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : " لو يعلم الناس ما في مسجد الكوفة لأعدّوا له الزاد و الرواحل من مكان بعيد ، إن صلاة فريضة فيه تعدل حجة ، و صلاة نافلة فيه تعدل عمرة " [71] .

كما روى الصدوق في الفقيه بسند عن امير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : " لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ، و مسجد الرسول ( صلى الله عليه و آله ) ، و مسجد الكوفة " [72] .

و عن الاصبغ بن نباتة أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : " يا أهل الكوفة ، لقد حباكم اللّه عَزَّ و جَلَّ بما لم يحب به أحداً ، من فضل مصلاّكم بيت آدم و بيت نوح و بيت ادريس ، و مصلّى ابراهيم الخليل ، و مصلّى أخي الخضر ، و مصلاّي ، و إن مسجدكم هذا لاحد المساجد الاربعة التي اختارها اللّه عَزَّ و جَلَّ لاهلها ، و كأني به قد أتي به يوم القيامة في ثوبين أبيضين بتشبّه بالمحرم و يشفع لاهله و لمن يصلّي فيه فلا ترد شفاعته ، و لا تذهب الايام و الليالي حتى ينصب الحجر الاسود فيه ، و ليأتين عليه زمان يكون مصلّى المهدي من ولدي ، و مصلّى كل مؤمن ، و لا يبقى على الارض مؤمن إلاّ كان به أو حنّ قلبه إليه ، فلا تهجروه و تقرّبوا إلى اللّه عَزَّ و جَلَّ بالصلاة فيه و ارغبوا إليه في قضاء حوائجكم ، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لاتوه من اقطار الارض و لو حبواً على الثلج " [73] .

و قد جاء في الروايات ترجيحه على المسجد الاقصى في الفضل و الثواب .

فعن محمد بن يعقوب ، عن ابي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال : " جاء رجل إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) و هو في مسجد الكوفة فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته ، فردّ عليه فقال : جعلت فداك إني أردت المسجد الاقصى فأردت أن اُسلّم عليك و أودّعك ، فقال له و أيّ شيء أردت بذلك ؟ قال الفضل جعلت فداك ، قال : فبع راحلتك و كل زادك و صلّ في هذا المسجد ، فإنّ الصلاة المكتوبة فيه حجة مبرورة و النافلة عمرة مبرورة و البركة منه على اثني عشر ميلاً يمينه يمن و يساره مكر ، و في وسطه عين من دهن و عين من لبن و عين من ماء شراب للمؤمنين ، و عين من ماء طاهر للمؤمنين منه سارت سفينة نوح ، و كان في نسر و يغوث و يعوق ، و صلّى فيه سبعون نبياً و سبعون وصيّاً أنا أحدهم ـ و قال بيده في صدره ـ ما دعا فيه مكروب بمسألة في حاجة من الحوائج إلاّ أجابه اللّه تعالى و فرج عنه كربته " [74] .

و في مسجد الكوفة مقامات الانبياء و ائمة اهل البيت كما أشير إلى ذلك في الروايات ، ففيها أن من معالم المسجد مقام امير المؤمنين ( عليه السلام ) عند الاسطوانة السابعة ، و مقام الحسن ( عليه السلام ) عند الاسطوانة الخامسة ، و مقام ابراهيم عند الاسطوانة الثالثة ، و مقام جبرائيل عند الخامسة مما يلي باب كندة [75] .

و توجد لمسجد الكوفة اعمال و صلوات و ادعية و مناجاة وردت في كتب الدعاء و الزيارة ، منها صلاة الحاجة بركعتين يقرأ في كل منها بالحمد و المعوذتين و الاخلاص و الكافرون و النصر و القدر ، ثم يسبح تسبيح الزهراء بعد التسليم و يسأل اللّه تعالى حاجته فانها تقضى إن شاء اللّه و يستجاب دعاؤه فيها [76] .

ب ـ قبر الامام علي ( عليه السلام ) و وادي السلام :

و في الكوفة قبر الامام علي ( عليه السلام ) الذي يوجد في ( ظهر الكوفة ) عند الربوات البيض ، وتسمى هذه المنطقة ( بالغري ) و النجف ، وقد كانت خالية من الزرع و يدفن فيها اموات الكوفة بعد ظهور قبر الامام علي ( عليه السلام ) ، و قد تأسست مدينة النجف الاشرف حول قبره حتى اصبحت هي مركز المحافظة و المدينة الام ، و أصبحت مدينة الكوفة ( قضاء ) تابعاً لها [77] .

و قد تحدثنا سابقاً عن زيارته و فضلها و اشرنا في ضمن هذا الحديث إلى فضل هذا المكان المقدس .

فعن نصير الدين الطوسي ، عن محمد بن محمد بن الفضل ابن بنت داود السرّقي قال : " قال الصادق ( عليه السلام ) : أربع بقاع ضجّت إلى اللّه أيام الطوفان : البيت المعمور فرفعه اللّه ، و الغري و كربلا و طوس " [78] .

و عن محمد بن علي بن الحسن العلوي في كتاب فضل الكوفة بإسناد رفعه إلى عقبة بن علقمة ابي الجنوب قال : " اشترى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ما بين الخورنق إلى الحيرة في الكوفة ، و في حديث ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة من الدّهاقين بأربعين الف درهم ، و أشهد على شرائه . قال : فقيل له يا أمير المؤمنين تشتري هذا بهذا المال و ليس ينبت حظاً ؟ فقال : سمعت من رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) يقول : كوفان كوفان يردّ أوّلها على آخرها ، يحشر من ظهرها سبعون الفاً يدخلون الجنة بغير حساب ، فاشتهيت أن يحشروا من ملكي " [79] .

و عن بدر بن خليل الاسدي ، عن رجل من اهل الشام قال : " قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه : أوّل بقعة عبد اللّه عليها ظهر الكوفة ، لما أمر اللّه الملائكة أن يسجدوا لادم سجدوا على ظهر الكوفة " [80] .

و عن حبّة العرني قال : " خرجت مع امير المؤمنين إلى الظهر فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لاقوام ، فقمت بقيامه حتى أعييت ، ثم جلست حتى مللت ، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولاً ، ثم جلست حتى مللت ، ثم قمت و جمعت ردائي ، فقلت يا أمير المؤمنين ، إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة ، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال : يا حبّة ، إن هو الاّ محادثة مؤمن أو مؤانسته . قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، و إنهم لكذلك ؟ قال : نعم لو كشف لك لرأيتهم حلقاً محتبين يتحادثون ، فقلت أجسام أم أرواح ؟ فقال : أرواح ، و ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الارض إلاّ قيل لروحة : الحقي بوادي السلام ، و إنها لبقعة من جنّة عدن " [81] .

1 | 2

 

 

ل