الأُسرة و قضايا الزواج

.
الفصل التاسع
الزواج الثاني :
تتطلب الحياة المشتركة في الأسرة انسجاماً في الفكر ورعاية كل من الزوجين للطرف الآخر ، ذلك أن السعادة في الحياة العائلية إنما تقوم على التسامح والتضحية والحب ، فالرجل يتحمل في ذلك مسؤولية كبرى ، كذلك المرأة لها دورها الفاعل في إشاعة الدفء في الجو العائلي وتربية الجيل .
فالحياة الزوجية والأسرة تحتاج في تنظيم روابطها إلى اعتماد الأسس والضوابط الشرعية والعقلية بعيداً عن جموح الرغبات والطموحات الفارغة ؛ فمنطق العقل ضروري جداً في إشاعة الاستقرار العائلي حتى لو اصطدم ببعض الرغبات والمشاعر .
الزواج الجديد والنزاعات :
من القضايا التي تؤدي إلى تفجير النزاع في الحياة الزوجية هو إقدام الرجل على الزواج مرة أخرى ، وقد يتفاقم الوضع ليتخذ شكلاً أكثر خطورة عندما نشاهد بناء أسرة جديدة على أنقاض أسرة أخرى . ولقد أيدت الشواهد أن النساء قد يتساهلن في العديد من المسائل ولكن عندما يصل الأمر إلى إقدام الرجل على الزواج الثاني فإنهن يرفضن ذلك بشدة ، إذ أن المرأة تعتبره شكلاً من أشكال الخيانة التي لا يمكن تحملها أو السكوت عليها .
وما أكثر الأسر التي تقوضت وعصفت بسعادتها الرياح بسبب إقدام الرجل مرة أخرى ، ذلك أن المرأة تعتبر قدوم الزوجة الأخرى سيفاً مسلّطاً فوق رغبتها ، كما أنها تنظر إلى الرجل من خلال ذلك باعتباره مجرد
.
متصاب يحاول استعادة أيام الشباب . ويبقى إقناع المرأة بذلك بالرغم من احتمال وجود مصلحة شرعية واجتماعية وأخلاقية أمراً صعباً إذا لم نقل مستحيلاً ، فلقد بقي حل تلك المعضلة العويصة مستعصياً على الرجال طوال التاريخ .
أسرار النزاع :
ما أن تحل الزوجة الجديدة حتى يسود المنزل جو متوتر وهدوء مشوب بالحذر ، ثم سرعان ما ينفجر الموقف ليكون بداية لنهاية مأساوية .. وإذا ما أردنا الغوص في بواعث النزاعات التي تنجم عن الزواج الثاني فيمكن الإشارة إلى ما يلي :
1 ـ طبيعة المرأة :
إن المرأة ذلك المخزون الهائل من العاطفة والحنان الذي تتجلّى عظمته في تربية الجيل لا يمكنها تحمل منافس أو شخص يحاول القيام بدورها أو تقويض نفوذها في المنزل ، ولذا ـ ومع دخول المرأة الأخرى إلى منزلها ـ يستقيظ في أعماقها الحقد والغيظ ولا يمكن السيطرة عليه ، بل أن الأمر قد يصل حداً يمنعها حتى من الترحيب بذلك الضيف الجديد إن لم نقل رفضه ومواجهته بأعنف الوسائل .
2 ـ خمود الحب :
للحب دور فاعل في تعزيز وتمتين الروابط الأسرية ، ذلك أن الألفة والأنس إنما ينبعثان من الحب ، كما أن كل تضحية وفداء وتسامح يقف وراءه الحب كدافع أساسي في ذلك .
ولذا فإن الإقدام على الزواج الثاني سوف ينسف هذه القاعدة المتينة ، ذلك أن المرأة ستتصور نفسها وقد أخفقت في علاقتها وأن زوجها لا يضمر لها أي قدر من الحب ، وعندها تتحفز روح المقاومة في نفسها ويبدأ عهد جديد من الحياة القلقة المتزلزلة .
.
3 ـ الشعور بالضعف :
تشعر المرأة بالانهيار النفسي والعجز لدى إقدام زوجها على الارتباط بامرأة أخرى ذلك أنها تشعر وكأنها قد فشلت فشلاً ذريعاً في الاحتفاظ برجلها مما مكّن الآخرين من اختطافه ، وهذا ما يولّد في نفسها الشعور بالضعف والخور فتتجه إلى نفسها باللوم أو تتوجه به إلى زوجها وتتهمه بعدم الوفاء ، وبالتالي بدء عهد من المشكلات والنزاعات .
4 ـ الغضب :
تشعر المرأة بالغضب عندما ترى زوجها ولا همّ له إلا تلبية رغباته والبحث عن امرأة أخرى ولديه من المال والثراء ما يمكنه من تحقيق رغباته وشهواته ؛ ويقوم الرجل من أجل تحقيق أهدافه تلك بالتضييق على زوجته وافتعال المشاكل أو خداعها بمختلف الوسائل ، وهناك الكثير من النساء من هن خبيرات بذلك فيعمدن إلى المقاومة والاستعداد للنزاع .
5 ـ استغلال القوة :
قد تنشأ النزاعات بسبب محاولة الرجل استغلال القوة في تنفيذ إرادته وإشباع رغبته في التسلط ، فيبدأ ـ مثلاً ـ بإعلان عزمه على الزواج من امرأة أخرى ثم يبدأ بتنفيذ وعيده دون اكتراث بموقف زوجته ورأيها في ذلك ، وهكذا يبدأ العراك والصراع وينقلب نظام البيت رأساً على عقب ، كل ذلك من أجل تنفيذ رغبته في التسلط والسيطرة .
6 ـ غياب العدالة :
تعود جذور العديد من النزاعات إلى الظلم وانعدام العدالة في الحياة الزوجية ، ولعل المسألة تتجلى بوضوح لدى إقدام الرجل على الزواج الجديد ، فالقضية ليست بهذه السهولة التي قد يتصورها البعض حتى أننا نرى القرآن الكريم يحذّر من الزواج إذا انجر إلى الظلم وانعدام العدالة ؛ قال تعالى في محكم كتابه : ( وإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة ) .
.
إن الزواج الجديد لا بد وأن يزلزل الزوجة الأولى ويزحزحها عن موقعها السابق ، ولا بد أن يكون هناك غياب في العدل في التعامل بين الزوجين ومعاشرتهما ، وحتى في توفير بعض مستلزماتهما ، وإذا أمكن لأحدهم أن يكون عادلاً في كل ما ذكرناه فكيف له أن يعدل في حبّهما ومودّتهما ، وهذا القرآن يصرح في قوله تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) وفي الروايات تحذيرات شديدة من الظلم في الحياة الزوجية ، خاصة في هذا الجانب البالغ الحساسية .
7 ـ الحياة القلقة :
ما أكثر النزاعات الزوجية التي تنشب إثر الزواج الجديد ، فتتحول معاملة الرجل لزوجته الأولى إلى شكل من أشكال التعذيب النفسي ، حيث يبقيها معلّقة لا هو يمسكها بمعروف ولا هو يسرّحها بإحسان ، وعلاوة على أن هذه المعاملة تعتبر عملاً جباناً فإنها تخلق لدى المرأة الشعور بالمهانة والإذلال المتعمدين مما يدفعها إلى التمرد والنزاع في محاولة لدفع الرجل إلى الشعور بمسؤوليته تجاهها أو تقرير مصيرها على الأقل .
8 ـ تحريض الآخرين :
ربما يشتعل النزاع بسبب تحريضات يقوم بها الآخرون ، كما نشاهد ذلك لدى بعض النسوة سواء كن جاراتها أو من صديقاتها أو قريباتها ، وعندما تصغي المرأة إلى مثل هؤلاء فإن مشاعرها تتغير تدريجياً تجاه زوجها ، الأمر الذي يهيء الظروف لنشوب نزاعات لا حد لها ولا نهاية .
وينبغي مكافحة مثل هذه التحريضات كما تفعل المبيدات بالحشرات السامة والضارة . إن البعض من الناس ـ ومع الأسف ـ يرى سعادته في مشاهدة الدموع في مآقي الآخرين ، ويرى راحته في سلب الراحة من بيوت الآخرين .
آثار النزاع في الأسرة :
تؤدي النزاعات بشكل عام إلى القضاء على حالة المودة والألفة التي
.
تسود الأسرة ، إذ يحل محلها الضغينة والحقد ، وإذا ما استمرت هذه الحالة فإن تراكم ذلك سوف يهدد أمن الأسرة واستقرارها . هذا على صعيد الزوجين ، أما على صعيد الأطفال فإن الآثار تتخذ أشكالاً تهدد تربيتهم وتنشئتهم في الطريق المنشود ، فالنزاع يسمم جو الأسرة كما أن دخان المعارك لا بد وأن يحرق عيونهم إن لم نقل بأنه سيخنقهم ويقضي على مستقبلهم .
إن النزاع في الحياة الزوجية يهدد شعور الأطفال بالأمن ويخلق لديهم حالة من الشعور بالخوف مما يشكّل خطراً على نموهم الروحي .
وتحدث الطامّة الكبرى عندما يؤدي النزاع إلى الطلاق والانفصال ، إذ يصل الأمر أخيراً إلى أخطر مراحله ويفقد الأطفال تماماً شعورهم بالأمن ويسلبهم ذلك الجو الدافىء الذي كانوا ينعمون في أحضانه ويتحولون إلى كرات يتقاذفها هذا وذاك ، يقضون وقتهم بانتظار من يمد لهم يداً تساعدهم أو تمسح على رؤوسهم .
حق المرأة :
إن تعدد الزوجات لا يعد امتيازاً للرجل إذا انطوى على مصلحة اجتماعية وأخلاقية ، فتعدد الزوجات يمكن تفسيره على أنه حق للمرأة أيضاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار المسألة الاجتماعية كلها لتشمل الدائرة نساء المجتمع ، وعلى المرأة أن لا تفكر بنفسها فقط ، فهناك من لا تجد من يعيلها ، وهناك من لا تجد المأوى الذي تلجأ إليه ، أليس من واجب المرأة هنا أن تفسح مجالاً لغيرها ؟ أليس من حق كل امرأة أن تشكل الأسرة ؟ إذا أضفنا هذا الجانب إلى جميع حسابات المسألة فيمكن أن نطرح تعدد الزوجات على أنه حق للمرأة وليس حقاً للرجل فقط .
المبررات :
هناك مبررات عديدة لتعدد الزوجات منها : المرض المزمن ، العقم ، صيانة المرأة من الانحراف والسقوط الأخلاقي ، ومع كل ذلك تعتبر بعض
.
النساء وفود المرأة الأخرى بمثابة احتلال ، ويتحول المنزل إلى ساحة حرب مدمرة . إن على المرأة أن تحكّم عقلها في هذه المسألة وأن تأخذ مصلحة أطفالها بنظر الاعتبار ، ذلك أن الرجل إذا ما شعر بحاجته إلى امرأة أخرى فمن الأفضل أن يتمّ الأمر بعلم زوجته وإلا فإنها سوف تفاجأ ذات يوم بما لا يحمد عقباه لأن الرجل سوف يجنح إلى وسائل عديدة لتأمين حاجته تلك وقد ينتهي بعضها بفضيحة مخجلة للأسرة كلها .
مساوىء المنع :
إن رفض المرأة لإقدام زوجها على اختيار امرأة أخرى لن يحل المشكلة بل سيعقدها ويجعل من الحياة الزوجية سلسلة من النزاعات والصراعات المريرة ، إضافة إلى أثره في نشر الفساد الأخلاقي والأمراض النفسية ، وقد يؤدي الأمر في بعض الأحيان إلى فرار المرأة من المنزل ، إن موافقة المرأة على خطوة زوجها ربما يعتبر أفضل الحلول لحفظ الاسرة من الأنهيار إضافة إلى أثره في الحد من توسع الفساد الخلقي والفحشاء .
حديث مع الرجال :
تعتبر المرأة وفود أخرى ومشاركتها لزوجها تهديداً مصيرياً ، ذلك أنها تنظر إلى زوجها وكأنه قد اعتبرها مجرد سلعة قديمة أو شيئاً استنفذ أغراضه ، ومع الأسف فهناك من الممارسات ما يؤيد هذه النظرة . إن انعدام العدالة في التعامل ، والظلم الذي يرتكبه الرجل بحق الزوجة الأولى هو أساس أكثر النزاعات التي تنشب في الحياة الأسرية .
إن تعامل الرجل يجب أن يكون بمستوى الإنسانية على الأقل وأن لا يقدم الرجل على جرح عواطف زوجته أو يعرّضها وأولادها إلى الشعور بالضياع والحرمان ؛ وأخيراً فإن إقدام الرجل على اختيار امرأة أخرى لا يعني أهمال زوجته الأولى وحرمانها من حقوقها ، وسقوطها من قائمة الحسابات .
.
الفصل العاشر
بواعث أخرى :
استعرضنا في فصول سابقة جانباً من الأسباب المهمة التي تؤدي نشوب النزاع في الحياة الزوجية ، وفي هذا الفصل سوف نتناول طائفة من إلى الأسباب الأخرى التي يمكن أن تكون باعثاً على النزاع بين الزوجين وخاصة لدى الشباب ، وقد تبدو هذه الأسباب ثانوية أو هامشية إلا أنها تكشف عن الجانب العجيب في الطبيعة البشرية .
أ ـ على صعيد الممارسة الذاتية :
1 ـ عدم القناعة :
عدم القناعة قد يرافق الإنسان منذ طفولته ، إذ أننا نشاهد أفراداً لا يقنعون بحقهم بل أنهم يتجاوزون حدهم ويطلبون من الآخرين أن يوافقهم في ذلك ، فإذا ما حدث العكس ثاروا في وجوههم وكأنهم أصحاب حق ، فيبدأ فصل من النزاع .
2 ـ البحث عن العيوب :
قد ينشب النزاع في بعض الأحيان بسبب البحث عن العيوب أو التنقيب عن النقائص فترى أحد الزوجين ولاهم له سوى نصب الكمائن والترصد ومراقبة الطرف الآخر فإذا وجد زلّة شهّر به وهذه العادة تدفع بالزوج أو الزوجة إلى الكراهية والحقد والعداء ولا ينجم عنها سوى الشعور بالمهانة والإذلال وربما دفعت بالضحية إلى التمرد والنزاع .
.
3 ـ التقريع واللوم :
أن نتصور الزوج أو الزوجة إنساناً معصوماً عن الخطأ أمر بعيد عن الواقع ، فالإنسان مخلوق يخطىء ويصيب ، يمشي ويكبو ، بالرغم من السعي نحو الكمال والتكامل ومحاولة الحد من الأخطاء ، وإذن فإن احتمالات الخطأ واردة وهي طبيعية جداً فإذا صدر خطأ ما فلا يستحق الأمر تقريعاً أو لوماً يعكر من صفو الحياة .
4 ـ الطموح اللامعقول :
وهذا أمر عادة ما يقود إلى نشوب النزاع ، فقد يؤكد أحدهما مثلاً على ضرورة الإفراد في التمجيد والاحترام ، والمظاهر الفارغة ، وتقليد الآخرين والزواج الجديد ، والإفراط في مسائل الذوق .
ب ـ على صعيد العلاقة المشتركة :
ينبغي أن تكون العلاقة الزوجية قائمة على المودة والألفة والطمأنينة وتربية الجيل ، غير أن هناك أسباباً صحية أو اجتماعية تؤثر على مستوى العلاقة الزوجية وتقود أحد الزوجين إلى تناسي الآخر وعدم الاهتمام به ومن بينها العجز الجنسي وغياب الانسجام ، واضمحلال العاطفة الأمر الذي يؤدي إلى التنازع .
كما أن الإعراب عن الاستعداد لتلبية الحاجة الجنسية قولاً وعملاً أمر ضروري ، حتى لو كان هناك إرهاق بسبب العمل أو السفر ، وأن يكون هناك نوع من التضامن بين الزوجين ومحاولة كل منهما دعم الآخر ، فالمكاسب التي يحصل عليها أحد الطرفين لا بد وأن تشمل الآخر .
إن روح الاستعلاء والرغبة في إبراز النفس حالة تدعو إلى النفور ، خاصة في الحياة الزوجية ، ذلك أن هذه الروح تقضي على الصميمية في العلاقات .
إن محاولة أحد الطرفين لإثبات قدراته وامتيازاته يفجّر في قلب الآخر الشعور بالحسد والحقد ، الأمر الذي يجد إلى النزاع .
.
ج ـ مسائل خارجة عن الإرادة :
قد يحدث النزاع بسبب أشياء ليس للإنسان دخل في صنعها ، فمثلاً تنجب المرأة بنتاً في حين يرغب الرجل أن يكون المولود صبياً مما يدفعه إلى لوم زوجته والحط من شأنها ، في حين أن الأمر برمّته خارج عن إرادتها ، كما أن الوليد هو هبة من الله سبحانه سواء كان ولداً أم بنتاً .
وربما يحاول الأب وانطلاقاً من إيمانه بضرورة تنبيه ابنه أو ابنته كأسلوب تربوي ، ولكنه يجد زوجته تقف سداً حائلاً دون ذلك ، فإذا حصل وارتكب الطفل خطأ ما صب الأب لعناته على زوجته واعتبرها السبب في كل ذلك .
د ـ الحياة الاجتماعية :
كثيرة هي الأسباب التي تفجر النزاع في الحياة الزوجية في هذا المجال ، ومن جملتها :
1 ـ الفضائح :
إن قيام أحد الزوجين بكشف أسرار الآخر عند الآخرين أو محاولة تضخيمها مما يتسبب في إحداث فضيحة الأمر يؤدي إلى تزلزل الحياة الزوجية وتعريضها إلى الخطر .
لقد صوّر القرآن الكريم العلاقة بين المرأة والرجل بأدق التصاوير وذلك في قوله تعالى ( هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن ) ، فالمرأة ستر للرجل كما أن الرجل ستر للمرأة ، أحدهما يستر عيوب الآخر ونقائصه ، ولذا ففضح الأسرار تترتب عليه آثار لا تحمد عقباها أبداً .
2 ـ المضايقات :
قد ينشب النزاع بسبب المضايقات المستمرة كإقدام الرجل ـ مثلاً ـ على فتح أبواب منزله لمن هبّ ودبّ من الأصدقاء والمعارف ما يحمّل المرأة أعباء استقبالهم والقيام على خدمتهم .
.
أو تقوم المرأة بدعوة أهلها وأقربائها باستمرار مما يؤدي إلى إرهاق الرجل اقتصادياً ، ولذا فمن الواجب مراعاة هذه المسألة وأخذ الإمكانات بنظر الاعتبار واحترام الزوجين لمشاعر بعضهما البعض .
3 ـ العلاقات الاجتماعية :
وهي مسألة ينبغي أن تخضع لضوابط عديدة ، وعلى الزوجين مراعاة ذلك ، خاصة في ما يتعلق بالروابط ومعاشرة الآخرين ؛ فليس من حقّ الرجل أن يقضي جلّ وقته مع هذا وذاك بعيداً عن المنزل ، فلا يعود إلا بعد منتصف الليل دون أن يحسب لزوجته حساباً ؛ كما ليس من حق المرأة أن تصرف أوقاتها مع هذه وتلك دون أدنى احترام واهتمام بزوجها أو منزلها . ومن الطبيعي أن تقود مثل هذه الحالات إلى البرود في العلاقات الزوجية ، ومن ثم تفكك الأسرة .
4 ـ الانحرافات :
يتفجر الخلاف بين الزوجين أحياناً عندما يتعرض أحدهما إلى اتهام بالانحراف عن الطريق ، حيث يثور الآخرين من أجل كرامة الأسرة ، وقد ينشب العراك إذا فكّر أحد الطرفين بالانتقام من صاحبه ، وعلى أساس ما يسمعه من القال وسوء المقال ؛ وفي مثل هذه الحالات ينبغي التحقق بهدوء وموضوعية ومعالجة الأمر بتعقل بعيداً عن التوتر والتشنج .
5 ـ تدخل الآخرين :
إن السماح للآخرين بالتدخل في الحياة الزوجية هو من أكبر الأخطار التي تواجه الأسرة ، خاصّة تلك التدخلات التي تتخذ جانب التحريض والإيحاء السلبي ؛ وفي هذه المناسبة سنشير إلى بعض صور هذا التدخل .
1 ـ الإعلان عن الرأي :
حيث يقوم والد المرأة أو الرجل بإسداء النصح فيما ينبغي فعله ، وقد تصطدم هذه الآراء مع آراء أحد الطرفين ، وعندها ينشب النزاع .
إننا ننصح الآباء والأمهات وحتى الأخوة والأخوات بعدم التدخل في شؤون الأسرة التي تشكلت حديثاً ، وأن يعطوا للزوجين فرصة لانتخاب
.
الحياة التي يفضلانها . إن الهمس والتحريض والنصح الذي لا يجد تجاوباً من أحد الطرفين لا يؤدي إلى شيء سوى تفجير الوضع وخلق جو متوتر في حياة الأسرة الجديدة .
2 ـ الحسد :
وقد يأتي التدخل انطلاقاً من الشعور بالحسد ، فهناك ـ ومع الأسف ـ أفراد لا يمكنهم تحمل سعادة الآخرين ، ولذا يبدأون تحركهم لتعويض تلك السعادة من خلال التدخلات في حياة زوجين مما يخلق حالة من النفور بينهما ، وهناك الكثير من الوسائل الشيطانية التي يمكن من خلالها تعكير صفو الأسرة الناشئة :
3 ـ إظهار التعاطف :
يتخذ التدخل أحياناً شكلاً من أشكال التعاطف مع أحد الزوجين إذ يقوم أحدهم بإظهار تعاطفه وصداقته وحبه لأحد الزوجين لاكتساب ثقته ، وبعدها يقوم بعمله من خلال ذلك ؛ فمثلاً يقول للمرأة : منذ زواجك وحالتك الصحية تسير نحو الأسوأ .. إن زوجك لا يليق بك أبداً .. إنه يؤذيك ولا يعرف قدرك .. لو كان يعرف قدرك لفعل هذا ، وجاء بذاك .
إن الإصغاء لمثل هذه الأحاديث المسمومة تؤدي بطبيعة الحال إلى إضعاف العلاقات الزوجية وخلق حالة من أزمة الثقة وبالتالي بداية نشوب النزاع في الحياة الأسرية .
4 ـ انتظار الفرص المناسبة :
ربما يحصل سوء تفاهم بين الزوجين يصل إلى إسماع الآخرين حيث تتنوع المواقف وتختلف ردود الفعل بين ناصح ومشفق وبين حاسد لا يبغي سوى تقويض العلاقات بينهما ، ولذا فهو يعتبرها فرصة ذهبية للهجوم على أحد الزوجين ونعته بأقذع الكلمات واتهامه بأنه لا يعرف قدر زوجه أبداً ، الأمر الذي يرضي الطرف الآخر ، وفي نفس الوقت يكون قد دقّ إسفيناً في حياتهما المشتركة ، وعندها تتعقد المشكلة ويصعب حلّها .
الأُسرة و قضايا الزواج .. مركز الاشعاع الاسلامي http://www.islam4u.com.. صفحة (99)
و ـ عوامل أخرى :
وهناك جوانب أخرى تؤدي إلى النزاع ، منها الإصغاء لآراء الآخرين ؛ الميل وحب النزاع ، الجهل ، وجود بعض المشاكل ؛ الأمراض المزمنة التي تضعف من قابلية الإنسان على التحمل ؛ الشعور بالمرارة التي تنشأ عن الخلافات خارج الأسرة ؛ وأخيراً الرغبة في التسلط وإثبات القدرة .
توصيات عامة :
الحياة الزوجية المترعة بالآلام والمشاكل ، الزاخرة بالنزاعات والأحقاد ، التي لا أثر فيها من حب أو احترام أو مودّة ؛ لا يمكن أن نعتبرها حياة ، فضلاً عن اعتبارها حياة أسرية ؛ ذلك أنها تفتقد مقومات الأسرة ، حيث يغرق الطرفان في بحر من المآسي ويغرقان معهما أطفالهما .
إن على الزوج إذا كان يحب زوجته أن يقرر استيعابها وتحملها ، وانتهاج الطريق السليم الذي يصلحها ؛ وعلى المرأة إذا كانت تفضل الحياة مع زوجها أن تتحمل بعض أخطائه من أجل أطفالها على الأقل .
إن تربية الأطفال ورعايتهم مسؤولية كبرى يجب أن يضحي الزوجان في سبيلها وأن يتحمل أحدهما الآخر من أجلها .
وأخيراً ، فإن النزاع ليس الوسيلة الوحيدة التي من شأنها إصلاح الأسرة بل هو معول هدّام لا يرحم ، يقوّض أساس الأسرة ويؤدي إلى انهيارها .
القسم الثالث
مواقف في قبال النزاع :
ما هو الموقف الذي ينبغي اتخاذه إذا حاولت زوجتك فرض حالة النزاع عليك ؟ لسنا بصدد طرح الأسئلة ، خاصّة في قضايا حساسة كهذه ، لكننا نحاول البحث عن المواقف المطلوبة لتسوية النزاع أو التخفيف من حدّته أو محاولة تلافي وقوعه .
إن الحياة المشتركة تتطلب في البداية السعي لتصفية التناقضات التي تؤدي إلى وقوع النزاع ، ذلك أن علاج المسألة من جذورها هو الضمان الوحيد للقضاء عليها وعدم ظهورها أو تجددها في المستقبل .
ويعتبر هذا الإجراء مرحلة أولية في محاولة الحدّ من النزاع ، وفي المرحلة الثانية تتوفر لدى المرأة الشجاعة الكافية للاعتراف بالخطأ ، ذلك أن اعترافك بخطئك لا يعد ضرورة فحسب بل واجباً اجتماعياً يصب في مصلحة الأسرة ، ويحول دون وقوع كارثة محتملة .
كما أن تحملك وصبرك وتسامحك وتضحيتك ورغبتك في استمرار الحياة المشتركة هو خطوة إيجابية في طريق حل النزاع وإعادة روح الصفاء إلى جو الأسرة ؛ وإذا استعصى التفاهم فمن الممكن تحكيم طرف ثالث يتمتع بالمواصفات المطلوبة كالخبرة والنضج والجلوس معاً وحل النزاع بروح موضوعية هادئة .
.
.
الفصل الأول
تأمّل في بواعث النزاع :
أن توقع حياة زوجية خالية من كل مشكلة أمر خاطىء وبعيد عن الواقع . إن الحياة المشتركة التي تعني اشتراك إنسانين في الحياة تحت سقف واحد بالرغم من الاختلافات العديدة في الذوق والرأي والفكر ، يهيىء الأرضية المناسبة لحدوث التّصادم ؛ ولذا فإن المطلوب من الزوجين إدراك هذه المسألة واحترام كل منهما لذوق وآراء الطرف الآخر .
أن على الزوجين ـ وأعتباراً من اليوم الأول لبدء الحياة المشتركة ـ أن يفكرا بهذا الجانب وأن يقدما التنازلات لكي يمكنهما الوقوف على أرضية مشتركة تكفل لهما التّعايش بصفاء .
مواقف خاطئة :
نشاهد ـ ومع الأسف ـ العديد يستخدمون أسنانهم بدل أصابعهم لحل عقد الحياة وينتخبون طريقاً خاطئة للوصول إلى الهدف بدل الطريق الصائب .
إن إستخدام سياسة العصا الغليظة في الحياة يعتبر في الواقع حماقة لا تؤدي الاّ إلى نهاية بائسة ؛ وإذا كان هناك أسلوب صحيح يضمن سعادة الحياة الزوجية فإنما يكون من خلال المواقف الخيّرة .
يظن البعض خاطئين أن أفضل أسلوب لحل المشاكل هو الانتحار وعدم مواجهتها ؛ ولا يعتبر هذا بطبيعة الحال حلاً ، ذلك أن فرارنا لن يغيّر من الأمر شيئاً سوى إدخال السعادة على أعدائنا .
.
كما أن الانتقاد والإساءة في التعامل والنزاع والتناطح هو الآخر ليس حلاً للمشاكل ، إن أفضل الطرق لحل القضايا هو في قضاء ساعة من العمر في التأمل ومراجعة النفس والبحث عن الطريق الصحيح الذي يرضي الله سبحانه ، ذلك أن طريق الخير هو من أكثر الطرق يسراً وخلوّاً من العقبات .
البحث عن أهداف النزاع :
قبل اتخاذ أي موقف ينبغي السعي للبحث عن جذور وأهداف النزاع ، ذلك أن معرفة بواعث النزاع يساعد على اتخاذ الموقف الصحيح . إن المودة والحب المنشود في الحياة الزوجية لا يتحقق إلا بالقضاء على جذور النزاع ومعرفة البواعث والأسباب التي تكمن وراءه ، ومن ثم تقديم الحلول المناسبة .
كما أن بحث الأمر مع بعض الأصدقاء والمعارف ممن يثق برأيهم وعقلهم ، بل وحتى بحث ذلك مع الزوجة نفسها يساعد على حلحلة الكثير من المشاكل والعقد .
وللبحث في الأسباب والأهداف التي تكمن وراء النزاع يمكن تصنيفها في أربعة مجالات هي :
أ ـ ما يرتبط بك ، وعليه يتعين المبادرة لعلاج المسألة ذاتياً .
ب ـ ما يرتبط بزوجك وشريك حياتك ، وفي هذه الحالة يتعين عليك وعلى الآخرين الإقدام للإصلاح ومعالجة الأمر .
ج ـ ما يرتبط بالزوجين معاً ، وهنا ينبغي الإقدام سوية والعمل على تسوية النزاع من الجذور .
د ـ ما يرتبط بالآخرين وتدخلاتهم ، وفي هذه الحالة يتوجب اتخاذ ما من شأنه أن يمنع كل أشكال التدخل السلبي .
أ ـ ما يتربط بك :
تعج النفس البشرية بالكثير من العواطف والميول ، كما تموج بالعديد من الطموحات الخيالية ، ولذا ينبغي البحث دائماً عن جذور جميع المشاكل
.
في أنفسنا وأعماقنا ، وليس من حقنا أن نعتبر الطرف الآخر الذي يقاسمنا الحياة مسؤولاً عن كل ما ينشب من نزاع وكل ما يشتعل من عراك . لماذا لا نحاول أن نتأمل الأمور بموضوعية ؟ لماذا لا نبحث عن أخطائنا ؟ لماذا نغض الطرف عن مواقفنا ونطالب الآخرين بتنفيذ آرائنا والانصياع لنظرياتنا ؟ إن أوليات الحياة المشتركة تتطلب احترام الآخر ، احترام رغباته وميوله وأفكاره وإنه إنسان له شخصيته وكرامته وحقه في التعبير والمشاركة .
إن أقل الآلام التي تسببها للطرف الآخر قد يعصف بالحب الذي يربطك وإياه ، ذلك أنه لم يكن ليتوقع هذه الإساءة منك .
ينبغي أن تكون الممارسة بحيث لا تحرك غضب ، غيرة ، وحسد الطرف الذي يقاسمك الحياة .
إن ضبط النفس وصيانة اللسان عن الكلام الجارح من مقومات الشخصية الإنسانية ، خاصة في الحياة الزوجية .
دع البحث عن العيوب جانباً وابتعد عن الرغبات الخيالية ، وخذ حق بنظر الاعتبار واحترام آراءه : فهذه أوليات وألف باء الحياة الزوجية .
لا تحاول أبداً فرض نفسك على الآخرين ، ولا تتخذ من الممارسات السيئة أسلوباً في التعامل ، ولا تطرح نفسك ديكتاتوراً في الأسرة .
إن هذه الأمور تعمل عمل المعول في هدم الأساس الأسري .
ج ـ ما يرتبط بالزوجين معاً :
وفي هذا اشتراك واضح في خلق النزاع أو المشكلات ، فالرجل يتحمل نصيبه في إثارة الصراع وكذلك المرأة مسؤولة في تغذية ذلك النزاع أو استفحاله أو بالعكس ، وإذا أردنا أن نبحث في بواعث النزاع نجده فيما يلي :
التساهل في مسائل العفة والتقوى ، عدم رعاية الضوابط الأخلاقية ، الفوضى في المعاشرة ، عدم رعاية الحقوق المتبادلة ، انعدام الاحترام المشترك ، التدخل في الشؤون الخاصة ، غياب التحمل الناجم عن الإرهاق في العمل اليومي ، غياب الخبرة المطلوبة ، إثارة العيوب أمام الآخرين ، ومحاولة إثبات القدرة .
.
ومما لا شك فيه ينبغي في مثل هذه الحالات على كل من الطرفين السعي لإصلاح عيوبه قبل أن يفكر بإصلاح عيب الطرف الآخر ، إن الحياة المشتركة تعني الالتزام ببعض التعهدات المتبادلة ، ولذا فإن رعاية جانب العفة والتقوى ليس أمراً منحصراً بالمرأة فقط بل إن هذا الجانب يشمل الرجل أيضاً ، وما أكثر النزاعات التي تنشب بسبب غضب المرأة حيال تصرفات وسلوكيات زوجها .
وهذه المسألة كثيراً ما تطرح من قبل الزوجات ، حيث يشكين غياب التزام أزواجهن ، كما أن التدخل في الشؤون الخاصة هو الآخر يثير بعض الحساسيات التي تؤدي إلى النزاع .
إن واجبنا أن نحترم الطرف الآخر وأن نقدره لا أن نصب عليه اللعنات أو نهاجمه ، فإذا كان أحدنا قليل التحمل أو متعباً بسبب عمله اليومي أو يحمل بعض عقد الماضي فليس لزوجته ذنب في ذلك .
د ـ ما يرتبط بالآخرين :
تناولنا في بحوث سابقة أن بعض الأفراد وانطلاقاً من حسدهم وجهلهم وميلهم إلى الانتقام يتدخلون في شؤون الأسر في محاولة لتقويضها ، بل أن بعض التدخلات تسفر عن نتائج سلبية بالرغم من النوايا الحسنة التي تدفع بعض الخيّرين لإصلاح ذات البين .
حديث مع الشباب :
ينبغي أن نذكر الشباب من الذين ولجوا عالم الحياة المشتركة ببعض النقاط المهمة ، واعتبارها كمعالم في طريق حياتهم الزوجية .
1 ـ إن اعتبار الرجل قيّماً على الأسرة ورئيساً للعائلة لا يعني منحه سلطة مطلقة تتحكم في مصير أفرادها .
2 ـ على المرأة أن لا تستغل هدوء الرجل أو سكوته وحلمه في كثير من الأمور فتدمر هذه الصفات السامية فيه .
.
الفصل الثاني
الاعتراف بالخطأ :
في الحياة الاجتماعية يمكن لإنسانين أو حتى لفئتين اختلفتا وانفصلتا عن بعضهما البعض ، يمكن لهما الجلوس على مائدة واحدة والتحاور بينهما وتسوية ما حصل من نزاع بقليل من المحبة والتسامح . وقد يعقب هذا الحوار الهادئ ، ليس عودة العلاقة كما كانت عليه ، بل وربما عودتها أقوى وامتن من ذي قبل ؛ وهذا لا ينطبق على عالم الصغار والشباب بل يتعداه إلى دائرة أوسع وأكبر .
إن ما يبعث على الأسف حقاً وجود بعض الأفراد الذين يعيشون سوية ويشتركون في الحياة معاً ، ولكنهم يمضون حياتهم بالآلام والمتاعب دون أن يفكروا باتخاذ المواقف الصحيحة تجاه بعضهم البعض أو أن ينتهجوا السلوك السليم الصائب ، بل إنهم وبدل ذلك يزيدون الطين بلّة باتخاذهم المواقف الخاطئة ، وبعدها يتمنون الخلاص من هذه الحياة الجهنمية التي صنعوها بأنفسهم !
نعم إنه أمر يبعث على الأسف حقاً أن يقوم زوجان ، وفي مقتبل حياتهم المشتركة ، وبسبب جهلهم وانعدام خبرتهم في اتخاذ المواقف ، بتحويل عشهم الدافئ إلى جحيم مستعر . وبالرغم من ادعائهما النضج الفكري فإنهما يسدّان جميع الطرق التي تؤدّي إلى أن يعيشا بسلام وطمأنينة .
إن ارتكاب أحد الزوجين لخطأ ما لا يبرر للآخر إعلان « الحرب » وتحويل المنزل إلى ساحة للعمليات والقتال ؛ والمطلوب من الزوجين أن
.
يحلاّ مشاكلهما واختلافاتهما في جوّ من التسامح والمحبة والتضحية . . وهذا هو الطريق الذي يؤديّ إلى السعادة .
واجبات التربية :
لا تنحصر الواجبات الزوجية في تلك العلاقات المشتركة بينهما ومسؤوليتهما في تربية أبنائهما ، بل إن هناك من الواجبات الأخرى ما يفوق ذلك حجماً .
إن واجباتهما تجاه بعضهما البعض تربوياً وأخلاقيا مسألة جوهرية بالرغم من عدم وجود ما يشير إلى ذلك في عقد الزواج .
إن الرجل والمرأة مسؤولان عن إصلاح أفكار وآراء وسلوك بعضهما البعض . إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجب على جميع المسلمين يشمل ـ أيضاً ـ الحياة الزوجية ، بل إن الحب الحقيقي يتجسد في موقف الرجل تجاه زوجته وموقف المرأة تجاه زوجها ومحاولة كل منهما إنقاذ شريك حياته من سوء العاقبة وهدايته إلى الطريق الذي يؤدي به إلى السعادة في الآخرة .
وإذن فإن الرجل هو المسؤول المباشر عن زوجته في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذا فإن المرأة هي الأخرى مسؤولة أيضاً .
أخطاؤنا :
كل ابن آدم خطّاء ، ليس هناك من لا يخطئ حتى أولئك الذين وصلوا المراتب العليا من الحكمة والعلم ، والقلة القليلة جداً من البشر التي تخلو حياتهم من الأخطاء .
إن الأخطاء التي تحدث في الحياة الزوجية هي بمثابة نقاط سوداء تشوّه وتعكّر صفو الحياة المشتركة ، بل وتهدد الأساس الأسري بالإنهيار . إننا ، وبسبب جهلنا ، وتربيتنا الخاطئة ، وعدم تحملنا ، وعقدنا المختلفة ، نتسبب في إيذاء أزواجنا من خلال كلام جارح أو وجه عابس أو إشعارهم
.
بالمنّ عليهم مما يعرض توازنهم النفسي إلى الخطر ويؤدي بهم إلى الشعور بالذل والمهانة .
مواقف مختلفة :
في قبال تلك الحالة هناك موقفان لا ثالث لهما وهما :
1 ـ المكابرة والعناد :
والتي تنطلق من أنانيتنا وغرورنا لا غير . إن ارتكابنا للخطأ ثم إصرارنا عليه باعتباره موقفاً صحيحاً وأسلوباً صائباً في التعامل هو في الحقيقة نرجسية لا جدوى من ورائها سوى إيذاء أزواجنا وشعورهم بالتأسف على مصيرهم .
إن هكذا موقف هو بعيد كل البعد عن الإنسانية عندما لا يرى المرء سوى نفسه فقط ولا يفكر إلا بنفسه بل لا يشعر بوجود الآخرين من حوله ؛ إن حياةً تقوم على هذا المنطلق ، وعلى هذه الرؤية ، حيث تكون السيادة للأقوى ، لا يكتب لها الاستمرار بل لا يمكن اعتبارها حياة إنسانية . . إنها أشبه ما تكون بالحيوانية .
مسألة الكرامة :
قد يفكر البعض بأن الاعتراف بالخطأ سوف يوجّه ضربة إلى كرامتهم ويحطّ من قدرهم أمام أزواجهم .
غير أن العكس هو الصحيح ، ذلك أن اعتراف المرء بخطئه لا يعدّ منقصة له أبداً ولن يجعله صغيراً أو حقيراً بل سوف يكبر في نظر الآخرين ، وسيضيف إلى شخصيته بعداً آخر يجعله مثلاً أعلى . وإذا افترضنا إن ذلك سيحطّ من شأنه أمام زوجه ولكنه سيجعله كبيراً أمام الله سبحانه .
إن عدم اعترافك بالخطأ سيعرضك إلى عذاب نفسي وروحي ينغص عليك حياتك ، فما هو الضرر إذن في أن تبادر إلى إرضاء ضميرك ووجدانك ، وسعيك إلى ضبط نفسك تجاه زوجك ومراعاة العدل والإنصاف في تعاملك مع شريك حياتك .
.
بعد النظر :
ينبغي على الزوجين أن ينظرا ويفكرا في المدى البعيد إلى آفاق المستقبل ، فإذا بادر أحدهما إلى الإعتذار عن خطئة فإن على الآخر أن يفتح له قلبه وذراعيه وأن لا يعتبر ذلك فرصة للتنكيل به والانتقام منه ، بل ينبغي غض النظر عن أخطائه تلك .
إن أقدام أحد الطرفين على الاعتذار من شريك حياته يحب أن يعتبر خطوة إيجابية تستحق التقدير لا اللوم والتنكيل .
إن الحياة الزوجية لا تنهض على الانتقام ؛ ما هي المصلحة التي تجنيها المرأة إذا أصبح زوجها رجلاً ضعيفاً محطّماً يتحمل أنانيتها وغرورها .
اعتذار المرأة :
كذلك نحذر الرجل فيما إذا أخطأت زوجته أن لا يلجئها إلى الاعتذار مما بدر منها من سلوك ، ذلك أن للمرأة كبرياءها وكرامتها وعاطفتها التي قد تأبى لها مثل هذا الموقف .
إن من المصلحة عدم الإصرار عليها ، فجرح كرامتها سوف تكون له انعكاسات وخيمة على تربية الأطفال ، إضافة إلى الفتور في علاقتها مع زوجها ؛ ذلك أن شخصية المرأة تكمن في تلك العاطفة المخزونة ، كما أن شخصية الرجل تكمن في ضبطه نفسه .
إنها زوجتك فدعها تشعر بالأمن في قربك . دعها تشعر بأنك ملجأها الوحيد الذي يحميها من تقلبات الزمن . دعها تضع رأسها المثقل بالهموم على رأسك لتشعر بالراحة وتغفو .
ولو جرحت كرامتها وحطّمت كبرياءها عندها لن تكون زوجة محبّة لك ولن تكون أيضاً حضناً دافئاً لأبنائك .
.
تجنب الاعتراف في غير موضعه :
ربما نشاهد بعض الأزواج الذين يبادرون ، ومن أجل وضع حد للنزاع والعراك ، إلى الإعتراف بأخطاء لم يرتكبوها ؛ وعلاوة على ذلك فإنهم يعتذرون إلى أزواجهم . ولعل هذا الإجراء فوائد آنية معينة ، ولكنه على المدى البعيد له آثاره التخريبية السيئة .
إننا نؤكد على الحفاظ على الدفء في الجو العائلي ، ولكنا لا نقول أن ينذر أحد الزوجين حياته من أجل الآخر ، ذلك أن كلاً منهما إنسان ، وهو مسؤول أمام ربه قبل أن يكون مسؤولاً أمام زوجه ، وأن عقيدتنا الإسلامية لا تسمح لنا بإذلال أنفسنا إلى أي إنسان كائناً ما يكون ، فالقيم الإنسانية يجب أن تكون في مأمن من التدمير ، وأن تملّق الظالم ، حتى على مستوى الأسرة ، أمر لا يسمح به الدين ولا يتساهل فيه .
نعم ، هناك الإعتراف بالخطأ . . الإعتراف بالظلم . . وهو أمر لا يسمح به الإسلام فحسب بل ويحث عليه لما فيه من الشجاعة والشهامة وما فيه أيضاً من تكامل الشخصية .
أما إذا انتفى الخطأ فلا معنى للاعتذار ، وينبغي هنا الإصرار والسعي لإثبات البراءة .
السلوك الهادئ :
ينبغي على كلا الطرفين الالتزام بضبط النفس سواء في حالة الاعتذار أو في حالة سماع الاعتذار ، ذلك أن الهيجان وعدم فسح المجال للآخر بالاعتذار سيكون سباحة في وجه التيّار مما يفوّت الفرصة على عودة الصفاء العائلي .
إن السلوك الهادئ يبعث الشعور بالطمأنينة في القلب وينمّي القوى العقلية والفكرية في النفس ، فالرجل يطمح أن يرى في زوجته حضن الأم الدافئ ، كما أن المرأة تتمنى أن تجد لدى زوجها رعاية الأبوة وحنان الوالد .
.
ينبغي أن يكون سلوكك مع زوجتك عين ما تتمناه منها ، وأن تكون لها ملجأ آمناً يمنحها الشعور بالطمأنينة والسلام . إنك إذا أخفقت في ذلك فقد تفكر زوجتك وبدافع غريزة الخوف إلى البحث عن ملاذ آخر مما يعقد الحياة الزوجية ويعرضها إلى أخطار كبيرة .
وأن المرأة تتمنى أن تكون لزوجها ذلك الحضن الدافئ الذي يشعره بالحنان والحب فإذا أخفقت المرأة في ذلك خطر للرجل أن يفكر في البحث عن ذلك الحضن الذي افتقده لدى زوجته .
وفي كل تلك المراحل ، علينا أن ندعو جميعاً أن نكون أزواجاً طيبين نتحمل في سبيل أسرنا كل متاعب الحياة لينشأ أطفالنا في ظلال وارفة من الحب والمودّة والصفاء .
.
الفصل الثالث
التسامح والصبر :
الحياة الزوجية ، كما عبروا عنها ، تآلف روحين وتجانس قلبين ، حيث يستعد كل منهما للتضحية بكل شيء في سبيل الآخر ، وبهذا تبدو الحياة الزوجية جميلة ورائعة ومملوءة بالأمل .
إن تحول الأسرة إلى ساحة للحرب والمنازعات والاشتباكات يجعل من الحياة مريرة تغتال أجمل شيء فيها وهو الأمل ، ذلك أنها تقف سداً يحول دون تكامل الإنسان ، كما أن عبادة الله سبحانه تستلزم شعوراً براحة البال واطمئنان الخاطر ، في حين يسلب النزاع العائلي ذلك ويشغل بال الإنسان بتلك الخلافات التي تقف عند حد وتأخذ من المرء جهده وأعصابه ووقته غافلاً عن كثير من واجباته في هذه الدنيا بل إنها قد تقوده إلى الهاوية والسقوط .
الحياة وتغيراتها :
إن بعض الناس يتصورون الحياة ـ عن جهل ـ عالماً وردياً جميلاً ، طافحاً بكلّ ألوان السعادة ، وبهذه الخيالات يقدمون على الزواج ، غافلين عن أن المرء لا بد وأن يواجه في طريقه ألواناً من المتاعب والمشكلات ؛ ولذا فإننا نراهم ينكصون على أعقابهم ويستسلمون لدى أول تجربة مرة في هذا الطريق وإذا بالأسرة التي تشكلت حديثاً تنهار وتتفكك وتنتهي إلى مأساة .
الحياة زاخرة بالمتاعب طافحة بالآلام ، وعلى الإنسان أن يشق طريقه
.
خلال طبق ضوابط معيّنة تكفل له تحمل كل ذلك ومقاومته لنيل السعادة المنشودة .
إن تصور الحياة خالية من الآلام والمتاعب هو تصور خيالي تماماً ، والقليل جداً من الناس ممن عاشوا تلك الحياة ومع ذلك فلا يمكن اعتبارهم سعداء ، ذلك أن تكامل الإنسان وتقدمه مرهون بمقاومته المتاعب واجتيازه الامتحان بنجاح .
وشخصية الإنسان تصنعها الحوادث وتصقلها المشكلات فيتخرج المرء وهو أقوى روحاً وأطول نفساً وأكثر تحملاً ومقاومة أما الأمواج والعواصف .
ضرورة الصبر :
لا تنسجم الحياة الزوجية مع الدلال أبداً . إنها تتطلب إنساناً صبوراً لكي يمكنه خوض التجربة بنجاح ، أمام أولئك الذين يفتقدون الصبر فإنهم لا بد وأن يخفقوا في ذلك لدى أول مشكلة تواجههم ، ينبغي عليهم أن يدعو الدلال جانباً لكي يمكنهم مواجهة المتاعب .
إن الذين أخفقوا في حياتهم الزوجية والذين غرقوا في خضم النزاعات والخلافات مع أزواجهم كان ينقصهم شيئاً واحداً وهو الصبر والتحمل .
وفي أدبياتنا ـ كمسلمين ـ نجد اهتماماً كبيراً بالصبر ، فالقرآن الكريم يحث على الصبر في نواحي الحياة ، ونبينا العظيم يأمرنا بالصبر ، وكذلك نجد هذه المسألة تأخذ جانباً واسعاً في أحاديث الإمام علي وخطبه .
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : « من صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ( ثواب ) آسية بنت مزاحم » بحار الأنوار ج 103 ص 347 .
الحياة والتسامح :
لا يمكن للحياة الزوجية أن تستمر دون رعاية للحقوق الزوجية التي يحدّدها القانون والمجتمع ، وهي في كل ذلك تحتاج إلى التضحية والتسامح
.
والخلق الرفيع . ذلك أن عدم التسامح في الحياة يخلق العديد من المشاكل التي يكون المرء في غنى عنها .
إن قانون الحياة يقوم على الصبر وتحمل المشكلات خاصّة إزاء ما يصدر عن زوجتك من سلوك . إن غض النظر قليلاً ومعالجة الوضع بروح من الصبر والنفس الطويل هو في صالحك وصالح أبنائك وأسرتك ، ذلك أن الحياة لا يمكن احتمالها بغير ذلك .
كما أن الحد من طموحاتك تجاه زوجتك وتوقعاتك إزاءها يمنحك القدرة في استيعاب بعض ما ينجم عن الحياة المشتركة ، فلست علياً في مثال الكمال وزوجتك ليست فاطمة في سمو المقام ؛ وإذن فلا ينبغي التشدد مع زوجتك وأن يكون هناك نوع من التساهل إزاء ما يصدر عنها من أخطاء .
إن فن الحياة هو قدرتك على إرساء السلام وإشاعة الود في محيط الأسرة ، وهذا يتأتّى من قدرتك على ضبط النفس وأن يسبق عفوك غضبك وأن يكون التّسامح شعارك في كل ذلك ، وعندما تصبح بهذا المستوى فإن ثمار السعادة تكون في متناول يديك .
المرأة والدفء العائلي :
من الضروري هنا أن يكون لنا حديث مع السيدات وهو أن الدفء الأسري إنما ينشأ عن عطف وحنان المرأة وأن جمال المرأة الحقيقي إنما يكمن في تلك الأعماق المتفجرة بالحب لا بذلك المظهر الفارغ ، وأن الرجل إنما يهفو إلى هذا الجانب الزاخر بالعاطفة الفياضة .
وأن الأساس في دور المرأة كزوجة ناجحة أن تنفذ إلى قلب زوجها وروحه وأن تشعره بالحب والمودة ؛ فمن المتحمل أن يكون الزوج رجلاً يسيء معاملتها ولكن من الممكن تطويعه من خلال مرونتها معه وحسن سلوكها تجاهه .
إن على المرأة أن لا تشتكي سوء زوجها وأن تسأل نفسها أولاً هل هي أحسنت معاملته ؟ هل ألانت له القول ؟ وهل أجملت في الحديث ؟
.
إن الحياة العائلية إنما تتبلور في ظلال الحب والعاطفة ، وأن البيت إذا أقفر من الحب والصفاء فلا يمكن العيش فيه ، وأن الإنسان يعتبر نفسه قد أخفق إذا آل الأمر إلى ذلك المصير ؛ ولذا فإنك تكونين قد أخفقت في إشاعة الدفء في الأسرة والبيت الزوجي ؛ وإذا شعر الرجل بدفء الحب هوى قبله إليك وإلى لقائك في المنزل كما تهفو الطيور إلى أعشاشها .
المرأة وتحمل الحياة :
يحتاج الإنسان في تسيير شؤون حياته إلى قدر من المال ، ولكي يعيش سعيداً فإنه لا يحتاج إلى ثروة طائلة بل إلى قدر من الأخلاق الرفيعة ، ذلك أن الخلق الكريم يفوق في قيمته الثراء آلاف المرات ، وأن النجاح في الحياة إنما يتوقف على صبر الإنسان وتحمله ومواجهته أعباء الحياة بروح عالية .
إن شخصية الإنسان تصنعها الحوادث وتصقلها الشدائد ولا يتحمل ذلك سوى النساء اللاتي وصلن إلى درجة الملائكة وسوى الرجال المؤمنين الذين آمنوا بالأسرة وحرمتها ، ولذا فهم يتحملون في سبيل صيانتها كل المتاعب والآلام .
وهذا ليس مستحيلاً ، لأن الله قد خلق الإنسان ـ امرأة ورجلاً ـ ومنحه القدرة على الصبر والتحمل إزاء ما يواجهه من محن ومصائب .
مرونة الرجل :
تنشب النزاعات في بعض الأحيان بسبب إهمال المرأة بعض مسؤولياتها في الحياة الزوجية خاصة في الأيام الأولى ، ولذا نوصي الأزواج أن يبدوا قدراً من المرونة إزاء ذلك ، حتى إذا لمسوا بعض العناد . إن تسامح الرجل ضروري جداً في إرساء دعائم الأمن والسلام في الحياة المشتركة .
وقد أوصى نبينا الكريم بالإحسان في معاملة المرأة ، وكذلك وردت توصيات عديدة في أحاديث الإمام علي (ع) في مداراة والتجاوز عن أخطائها وهو يتبعها : « ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ؟ » .
.
عليكم أنتم أيها الرجال تحمل مسؤولياتكم خاصة في المنعطفات الخطيرة وأن تمارسوا نوعاً من ضبط النفس إزاء انفعالاتكم . إن الله قد منحكم قوة عضلية تفوق المراة ولكن ذلك لا يعني أنه يغفر لكم باعتدائكم على أزواجكم بالضرب والشتم .
إن حسن أخلاقكم من شأنه أن يقضي على كل جذور الفتنة قبل أن تنمو أشواكها . أما إذا أصبحت الحياة حجيماً لا يطاق ، جحيماً لا يمكن احتماله فإن الله قد فتح لكم عند ذلك باباً للخلاص .
انتظارنا من المرأة :
لا بأس من الإشارة هنا إلى انتظار شريعتنا وعقيدتنا من المرأة ، إذ ليس المطلوب منها تجنب النزاع مع زوجها فحسب بل ينبغي لها أن تكون ملاذاً له وسكنا يشعره بالطمأنينة والأمن والاستقرار . لقد كانت فاطمة الزهراء المثل الأعلى للزوجة المخلصة ، وكان زوجها العظيم يشعر بالسعادة وهو يجلس إلى جانبها ويتجاذب معها أطراف الحديث ، وكان قلبه المثقل بالهموم يهفو إلى المنزل كلما داهمته الكروب . لقد كانت عليها السلام تشارك زوجها السراء والضراء وتعينه على طاعة الله سبحانه ، فكانت مثالاً سامياً للمرأة فتاة وزوجة وأمّاً .
تصحيح الذات :
إننا ـ وفي بعض الحالات ـ نجد أنفسنا تحلّق عالياً في عالم الخيال ، نطمح إلى تحقيق رغباتنا بالرغم من صعوبتها . إننا لا نقول ينبغي أن نغض النظر عن جميع طموحاتنا وأن نطفىء شعلة الأمل المتوقدة في أعماقنا ، بل نقول يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار منطق الواقع في كل ذلك ، وحتى لو فرضنا إمكانية تحقق تلك الطموحات ، فإننا ينبغي أيضاً أن نأخذ بنظر الاعتبار قيمة ذلك وهل تساوي أن يضحي الإنسان من أجلها باستقرار الأسرة .
ينبغي على المرء أن يهذب نفسه ويمسك بزمامها وأن لا يدع الأهواء تسيطر عليه .
.
إن للتشاؤم وسوء الظن حداً أيضاً وتحمّل زوجتك هو الآخر له حدوده أيضاً ، فلا تحمّلها ما لا تطيق .
إن الدين هو أعظم مدرسة لتربية النفس وأن الخلوة مع الله سبحانه والتضرع إليه يهب النفس الشعور بالطمأنينة والسلام .
.
الفصل الرابع
التحكيم :
إن الأصل في الحياة الزوجية هو رعاية الحقوق المتبادلة والعدل والمساواة والاحترام ، ولذا فإن استمرارها وديمومتها إنما يتوقف على هذه الأسس والمبادئ .
ولذا يحتاج الأمر إلى تفهم من قبل الطرفين إلى ذلك وإلى إدراك أحدهما أخلاق الآخر واحترام شخصيته كانسان أولاً وكشريك في الحياة ثانياً ؛ ذلك أن أقل محاولة لفرض الرأي بالقوة وعدم مراعاة تلك الأسس سوف يضر بالحياة الزوجية ويعرّضها إلى القلق وعدم الاستقرار .
إننا نشاهد البعض وبسبب النزاعات الزوجية يقدمون على الطلاق الذي هو أبغض الحلال عند الله .
وبالرغم من شرعية الطلاق في الإسلام إلا أنه يعتبر آخر الوسائل التي يضطر المرء إلى استخدامها إنها آخر وأخطر عملية جراحية يقوم بها الزوج عندما تعجز جميع الوسائل الأخرى .
إن على الزوجين أن يمنعا نفسيهما ما أمكن من التفكير في الطلاق والانفصال وأن على الذين يمتلكون وسائل مؤثرة منع الزوجين من الإقدام على الطلاق ما أمكنهم في ذلك .
التنازلات :
ما أجمل الإنسان عندما يرى الأوضاع متأزمة في الأسرة وأن النزاع سوف ينفجر في المنزل وهو يقوم بالتنازل عن بعض حقوقه مقابل تثبيت
.
دعائم الأسرة . . ما أجمل الإنسان وهو يضحي في سبيل الله من أجل سعادة أبنائه .
ينبغي على الإنسان أن يتحمل وأن يكون طويل النفس . . بعيد النظر . . يغض النظر عن بعض الأخطاء التي يراها . . يتظاهر بعدم سماعه لكلمة جارحة . . يحتوي غضبه ويمنعه من الانفجار . . ذلك أن أكثر المسائل سوف تحلّ في المستقبل عبر التفاهم وعبر إصلاح الطرف الآخر وعودته إلى جادّة الصواب ، وعندها يكون المرء قد أحرز على نفسه انتصاراً كبيراً يكون أجره السعادة ورضوان من الله أكبر .
إننا ـ ومع الأسف ـ نشاهد البعض وقد مرّ على زواجه الأعوام والسنون ، ولكنه يجد نفسه عاجزاً عن تحمل شريك حياته عاجزاً عن ضبط نفسه في المنعطفات الحادّة والحساسة من حياته ، وعندما يقدم ـ وبسبب غضبه الأعمى ـ على ارتكاب خطأ يندم عليه فيما بعد ، وحينها لا ينفع الندم .
التفاوض :
إن من أنجح السبل في حل النزاع في الحياة الزوجية هو الجلوس للتفاوض حول المشكلة بأعصاب باردة وهدوء كامل ، والاستماع إلى الشكوى بقلب واسع رحيم لا يهدف سوى الخير والصلاح ، فربما كان هناك ما يدعو إلى الشكوى حقّاً أو ربما هناك ما كان خافياً عليك من الأمور وإذا بساعة من الحوار تكتسح جميع الغيوم من سماء الأسرة فتشرق شمس المحبة من جديد .
إن على الزوجين المبادرة إلى كسر الحاجز الذي يحول بين تفاهمهما وأن يذيبا تلك الثلوج التي تفصل بينهما ، فليس هناك ما هو أخطر من الغرور والتكبر في حلّ المسائل العالقة ، وأن يحل بدل ذلك التفكير بالسعادة ، فسعادة الرجل من سعادة زوجته وسعادة المرأة في سعادة زوجها .
.
فإذا حصل خطأ ما من أحد الطرفين فعليه أن يبادر إلى الاعتذار من صاحبه وعلى الآخر أن يقبل اعتذاره ويستقبله بالأحضان . على الزوجين أن يتجاوزا ذلك بسرعة ؛ إنها مجرد غيمة صيف عابرة ما أسرع أن تمر ويصحو الجو مرة أخرى .
إن الحياة المشتركة تعني المشاركة في كل شيء ، يعني تنوع الأذواق واختلاف المشارب وتعايش كل ذلك في جو من التفاهم والاحترام الكامل والمتبادل .
ينبغي أن يكون هناك تفاهم قبل اتخاذ أي قرار يهمّ الأسرة ، وينبغي أن يستشير أحدهما الآخر في كل شيء يهمهما معاً ، ذلك أن التفاهم والتشاور يعزز من أسس البناء العائلي ويشيع الدفء في الأسرة ويشعر الطرفين معاً بالقوة .
ضرورة التحكيم :
ربما ينشب النزاع ويعلو صوت العراك بين الزوجين حتى ليضيع صوت أحدهما أمام صراخ الآخر ويضيع صوت العقل بينهما ويختفي دوره تماماً ، وإذن فلابد هنا من انتخاب حكم يفصل بينهما بعدما طغت المشاعر والعواطف ، ولم يبق من أمل في التفاهم بينهما معاً بمعزل عن الآخرين ، فكل منهما يعتقد بأن الحق إلى جانبه وأن الآخر هو المعتدي .
ومهما بلغت تجربة الرجل وخبرته في الحياة فإنه يبقى جاهلاً بعض نواحيها ، وهو إذن يحتاج إلى من يرشده في بعض الأمور .
إن تحكيم إنسان مجرّب له خبرته في الحياة يهيىء فرصة ذهبية لحلّ النزاع وإقناع الطرفين به ، وهذا ما أوصى به القرآن الكريم وأوجبه بعض الفقهاء كأمر ضروري قبل الإقدام على الطلاق الذي يعتبر في الواقع كارثة اجتماعية لها آثارها الوخيمة .
فكرة التحكيم :
إن فكرة التحكيم هي لجوء المرأة والرجل وبعد اشتداد النزاع ووصوله
.
حداً يستحيل فيه التفاهم بينهما إلى شخص يتمتع بالمؤهلات المطلوبة وذلك لفض النزاع والوصول إلى الحل المنشود .
إن اشتداد النزاع لا بد وأن يعمي الطرفين عن رؤية الحق والحقيقة ، واكتشاف الحل ، فلكل منهما قناعاته وأحكامه المسبقة في ذلك وكل منهما وبسبب توتر أحاسيسه وتأزم مشاعره يعتبر الحق إلى جانبه وأنه الطرف المظلوم في القضية ، ومن هنا تأتي فكرة التحكيم لتهيىء رؤية أكثر وضوحاً للمسألة وتوفر كذلك الموضوعية في وضع الحلول المطلوبة لإصلاح ما فسد من الأمور وإعادة المياه إلى مجاريها .
إن على من يقوم بهذه المهمة أن يكون ممثلاً حقيقياً للطرفين دون أدنى تحيز لأحدهما على حساب الآخر وأن يكون همهم الأول والأخير هو الإصلاح ووضع حدّ لكل أشكال الاستبداد في التعامل وأن يضع يده على أصل المشكلة ، فقد يعامل الرجل زوجته كما لو كانت جارية لديه ، أو تعامل المرأة زوجها كما لو كان خادماً لديها .
إن المرأة والرجل يجب أن يسلما لأوامر القرآن في تسيير حياتهما المشتركة ، وليس من حق أيّ منهما الاعتراض بعد ذلك على ما يصدر من رأي في حل خلافاتهما .
ولذا فإن فكرة التحكيم إنما تأتي من انسداد جميع الطرق الأخرى في حلّ النزاع ، وهذه المسألة تعكس مدى اهتمام الإسلام بالأسرة ككيان اجتماعي ينبغي صيانته من خطر التفكك والانحلال .
المقومات :
وفيما يخص من يقع عليه مسؤولية التحكيم ، وكما أشار إليه القرآن الكريم في انتخاب حكم من قبل الزوج يمثله في المفاوضات مع آخر يمثّل الزوجة بغية بحث أسس النزاع والتوصل إلى نتيجة ترضي الطرفين .
ولذا فإن من مقومات ذلك الحكم أن يكون محيطاً بالحوادث والمشاكل ، وعلى بيّنة من الأسباب وبواعث نزاع الزوجين وخلافاتهما وله
.
خبرة وتجربة في الحياة تؤهله لذلك العمل الحساس ، ذلك أن الحكم سيكون موضعاً لجميع الأسرار والعلل الحقيقية التي أدّت أو تؤدي إلى توتر العلاقات الزوجية .
وعلى الحكم أن يكون إنساناً جديراً عاقلاً وورعاً تقياً وموضوعياً في بحثه لا يبغي سوى العدل والحق وأن يكون همه الأول والأخير هو الإصلاح .
الخيارات :
وهنا يختلف الفقهاء في مدى صلاحيات الحكمين ودائرة تحركهما ، فالقرآن الكريم يشير إلى دائرة الإصلاح وهكذا كان تحرك الأئمة من أهل البيت في هذا المضمار ، ولذا فإن مهمة الحكمين هي التحرك في حدود ما يصلح الحياة الزوجية وترميم ما هدّمه النزاع من علاقات وما ضيع من واجبات وحقوق لكي تستأنف الأسرة مسارها الطبيعي مرة أخرى .
ولا تنحصر مهمّة الحكمين في بحث النزاع بينهما فقط بل وإقناع كل من الطرفين بأخطائه وضرورة تصحيحها لكي تعود الحياة إلى مجاريها الطبيعية ، ولذا فليس من حق الحكمين أبداً اتخاذ قرار بالطلاق دون علم الزوجين ، وإذا حدث وتوصل الحكمان إلى هذه النتيجة فعليهما إعلام الزوجين بذلك فقط ، ومن ثم الانسحاب وترك القرار لهما إلا إذا طلب الزوجان منهما ذلك .
تأخير الطلاق :
إن مهمة التحكيم هي السعي إلى اصلاح ذات البين ورفع الخلافات وحلّ النزاعات ، ولذا فإن على الحكمين أن يتمتعا بنفس طويل في هذه المهمة ، ذلك إن بعض الخلافات تستلزم وقتاً طويلاً من أجل حلّها وإزالتها .
ومهمة الحكمين بالدرجة الأولى تنصبّ على تأجيل الطلاق وإقناع الطرفين باستبعاده عن دائرة تفكيرهما آخذين مصلحة الأطفال بنظر الاعتبار .
.
وإذا نجح الحكمان في هذه الخطوة فإنهما يكونان قد قطعا منتصف الطريق في حل الأزمة ، فالتريث في اتخاذ قرار الطلاق ودراسة ذلك من جميع الوجوه سوف يوفر فرصاً كبيرة للحلّ ، ولذا فإن الإسلام يؤكد على من يتم على يديه إجراء الطلاق أن يوضح للزوجين خطورة ما يقدمان عليه ويعرّفهما بواجباتهما وحقوقهما الزوجية وأن يتجاوزا خلافاتهما والعودة إلى بيت الزوجة .
قبول التحكيم :
إن مسألة التحكيم ، وكما أشرنا إلى ذلك هي انتخاب ممثل ينوب عن الزوجين ، وطرح مسائل النزاع على بساط البحث ، ولذا فإن على الزوجين قبول النتائج دون عناء ومكابرة . إن عليهما أن يسلما لحكم الشرع والعقل وأن لا يركبا رأسيهما عنادا وتكبّراً .
ينبغي أن يدع المرء في مثل هذه الحالات أنانيته وغروره جانباً وأن يترك للحكمين المجال ويفتح أمامهما الطريق في مهمتهما الإصلاحية ، وأن يقبل النتائج حتى لو جاءت في غير مصلحته ، بل حتى لو جاءت خلافاً لما هو واقع ، إذ ينبغي قبولها تأدباً واحتراماً .
حذار من الشيطان :
الخطر كل الخطر من الشيطان إذا ركب أحد الزوجين أو كلاهما وأعماهما عن الرؤية الواضحة ، ذلك أن تغير نظرة الرجل إلى زوجته ورؤية نفسه أعظم منها وأكرم لدى الله أو العكس سوف يجر وراءه المشاكل والمتاعب .
إن كلا الزوجين يتمتعان على حد سواء بكرامة الإنسانية وهما عضوان من أعضاء المجتمع وكلاهما أيضاً عبدان من عباد الله .
فدعوا المن والأذى ودعوا الجارح من الكلام واجتنبوا الضرب وابتعدوا عن حياة العراك ، إذ ليس من اللائق أن يترك الإنسان التفاهم بمنطق العقل واللجوء إلى التفاهم باليدين .
.
إن ضعف أحدكما لا يبرر استبداد الآخر وتحوله إلى دكتاتور وأن الله للظالمين بالمرصاد . أسأله تعالى أن يمنّ على الجميع بالعمر الهانئ الطويل والحياة الطبية النابعة من راحة الضمير .
القسم الرابع
نتائج النزاع :
تحدثنا في فصول سابقة عن البواعث التي تكمن وراء النزاع ومواقف الزوجين تجاه بعضهما البعض ، وفي هذا القسم سنتحدث عن نتائج النزاع وما يترتب على ذلك من آثار نفسية وأخلاقية وأخروية .
كما سنتحدث عن الطلاق وآثاره الخطيرة وما ورد من روايات وأحاديث تحذر من الإقدام عليه ، وما يترتب على ذلك من نتائج خاصة على الأطفال الذين يجدون أنفسهم بعيدين عن حنان الوالدين خاصة حنان الاُم الذي لا يمكن التعويض عنه بشيء آخر .
.

الفصل الأول
مرارة الحياة :
الزواج طموح بالسعادة يسعى الزوجان من خلال ارتباطهما معاً إلى تحقيقه على أرض الواقع ، ذلك أن الحياة دون زواج معناها القلق والشعور بالوحدة والحرمان .
فالحياة المشتركة في ظلال الزواج توفر شعوراً عميقاً بالاستقرار ، غير أن الاختلاف في وجهات النظر بين الزوجين وسعي أحدهما أو كلاهما إلى فرض نفسه ومحاولة السيطرة على الآخر يؤدي إلى فشل هذه المؤسسة ومن ثم انتفاء الثمار المتوخاة من ورائها .
إن فشل الزواج لا يعني فشل مشروع اجتماعي فحسب ، بل يؤدي إلى إخفاق إنساني أيضاً يحوّل الرجل والمرأة إلى مجرد هيكلين ميتين تحركهما أمواج الحياة ؛ ربما يعيش الزوجان في أيامهما الأولى مشاعر السعادة ذلك أنهما ما يزالان يعيشان رؤاهما وأحلامهما ولكن وبعد أن تمر الأيام وبسبب تصادمهما لسبب أو آخر تظهر بعض الإنحرافات وتتحول تلك الجنة الصغيرة إلى جحيم لا يطاق .
وعندما يكون الإنسان جاهلاً فإن بإمكانه أن يحوّل جو الأسرة الهادئ إلى مسرح رهيب مليء بالمرارة واليأس ، يفقد الإنسان خلالها إقباله على الحياة بل وحتّى ميله للطعام ويحول المنزل إلى مكان يضم أناساً غرباء منسحبين على أنفسهم يعالجون أحزانهم ويعيشون معاناتهم .
.
آثار النزاع :
إن النزاع بين الزوجين يختلف تماماً عن أي نزاع آخر ينشب بين شخصين غريبين حيث ينتهي كل شيء بعد ساعة ويمضي كل منهما في طريقه ، أما في الحياة الزوجية التي تعني حياة مشتركة تحت سقف واحد بين شخصين اختارا تلك الحياة معاً فإن أي نزاع قد ينشب بينهما يترك مضاعفات خطيرة ومريرة في عدة أصعدة يمكن الإشارة إلى بعضها كما يلي :
1 ـ في شكل الحياة :
إن النزاع يترك آثاره في شكل الحياة داخل المنزل ويتحول الزوجان إلى شخصين غريبين يعيشان معاً كما يشعر الصغار بالقلق وإحساس بالخوف من نشوب معركة بين الوالدين لا تعرف عواقبها ، وهكذا يخيم صمت ثقيل في جنبات المنزل ينزوي فيه الأطفال خائفين في جو يشوبه الحذر .
2 ـ في قوة العلاقات :
يسيطر نوع من البرود القاتل على العلاقات الزوجية إثر نشوب الخلاف بينهما وينظر كل منهما إلى الآخر على أنه السبب في شقائه وتعاسته ، فتزول مشاعر الثقة بينهما ويحل مكانها شعور بالعداء حيث يحاول كل منهما تحقير الآخر وإذلاله ؛ كما يذهب ضحية النزاع ذلك الشعور بالاستقرار والطمأنينة حيث تحل مشاعر القلق والتحفز للنزاع والمواجهة ، ومحاولة كل من الطرفين إلحاق الأذى بالآخر .
3 ـ في الجانب النفسي :
من الطبيعي أن يخلّف النزاع في الحياة الزوجية آثاراً خطيرة في الجانب النفسي ، وقد يبدو النزاع نوعاً من التنفيس عن بعض العقد النفسية ولكنه في الواقع يغطي عليها ويزيدها تجذراً في الأعماق مما يضاعف من خطرها في المستقبل .
.
إن النزاع لا يؤدي إلى تصدع العلاقات الزوجية فحسب بل تتعدى آثاره إلى إحداث تصدع فكري وتمزق نفسي .
وبالرغم من إحساس أحد الزوجين بأنه يرد اعتباره أو أنه يحقّق وجوده من خلال إيذاء الآخر إلا أنه في الواقع يؤذي نفسه أيضاً ، وأنه يوجّه إليها طعنات نجلاء سوف تظهر آثارها في المستقبل ، ذلك أنه يقضي على مشاعر الحب وينابيع المودّة في أعماقه ، والتي هي أساس السعادة في الحياة .
4 ـ تأنيب الضمير :
وقد يصل الإيذاء والظلم الذي يمارسه أحد الزوجين بحق الآخر حداً يدفعه لارتكاب عمل ما يتصور خلاصه فيه ، وعندها تحدث هزّة عنيفة يستيقظ فيها الضمير ، فيعيش حالة مأساوية من عذاب الوجدان وتأنيب الضمير بسبب ما ارتكبه من خطأ فادح بحق شريك حياته ؛ وقد تتضاعف الحالة لتتخذ شكل مرض نفسي خطير .
إن النزاع الزوجي الذي يؤدي إلى ظلم أحد الطرفين أو تعريض سمعته للخطر سوف يحدث آثاراً لا يمكن تفاديها أبداً ، قد تقوده إلى الانتحار ووضع حدّ لحياته أو إلى إحداث شرخ خطير في شخصيته يهدد سلامته النفسية ، وهو أمر لا بد أن يجر من ورائه عقوبة الله بحق الظالم عاجلاً أم آجلاً .
5 ـ خلق حالة التشاؤم :
النزاع في الحياة الزوجية يخلق حالة من التشاؤم في الحياة ويجعلها سوداء خالية من كل المعاني الجميلة ، وفي تلك الأثناء يرى أحدهما الخلاص عن طريق البحث عن إنسان آخر يشاطره الحب ، وعندما يعثر على ضالّته تلك ، نلاحظ استمرار حالة التشاؤم لديه ، إذ لا يمكن التخلص منها بسهولة مما يجعل الحياة في رأيه خواء في خواء .
وإذن فإن النزاع في الحياة الزوجية وإن انتهى إلى بعض الحلول إلاّ أن آثاره النفسية تستمر مدة طويلة وقد لا تنتهي إلا مع انتهاء الحياة .
.
6 ـ تدمير القابليات :
ينمو الإنسان في الجو الآمن المطمئن وتنمو لديه قابلياته وتنفجر في داخله الاستعدادات والمواهب ، ذلك أن حاسّة الإبداع تترعرع في الحياة المستقرة الهادئة في حين أنها تتراجع وتذبل وتموت في الحياة المضطربة القلقة .
وما أكثر الأفراد الذين انحدروا بعد زواجهم وانحطّت قابلياتهم وتدنّت مواهبهم وذبلت استعداداتهم وانتهت قدراتهم . . كل ذلك بسبب حالة النزاع والمواجهة التي تسيطر على حياة الزوجين حيث يبقى الفكر مشغولاً والخاطر مبلبلاً والنفس مشوّشة لا تعرف الطمأنينة والراحة والاستقرار ، وقد تصل الأمور إلى حالة من الهذيان المستمر الذي يفقد الحياة معانيها الجميلة .
7 ـ الحرمان :
صحيح أننا لا نعيش من أجل أن نتمتع ونلهو في هذه الحياة ، وأن هدف الحياة أسمى من كل المتع الدنيوية ، وأن واجب الإنسان هو أداء واجبه في الحياة النزيهة بعيداً عن الآثام والمعاصي ، ولكن هذا لا يعني الحرمان ، فالحياة الإنسانية زاخرة بكل ألوان المتع البريئة ، زاخرة بكل ألوان السعادة ، وأن على الإنسان أن لا ينسى نصيبه في هذه الدنيا .
إن عمر الإنسان هو رأسماله في الدنيا والآخرة ، وعلى هذا فينبغي عليه أن ينفق عمره في ما ينفعه في دنياه وأخراه وأن لا يسمم حياته بعمل يجرّ وراءه القلق هنا والعذاب هناك .
إن من يخلو قلبه من حبّ الله لا بد وأن يتيه في دروب الضياع التي تقوده إلى السقوط والانحلال المادي والمعنوي ، وبالتالي العذاب في يوم القيامة .
8 ـ العقاب الأخروي :
وأخيراً فإن من آثار النزاع ونتائجه هو العقاب الأخروي الذي ينتظر الظالم ، فالله للظالمين بالمرصاد .
.
إن كل ظلم في الحياة الزوجية يعني ظلماً اجتماعياً بحق إنسان له كرامته ، وهو أمر لا يمكن تلافيه بالتوبة ، ذلك أن الله سبحانه قد يتجاوز عن الذنوب التي يرتكبها الإنسان بحق نفسه كشرب الخمر مثلاً ، ولكن عندما يشمل الذنب إيذاء الآخرين وظلمهم فإن المسألة هنا في غاية التعقيد .
ولذا ، فإن على الإنسان أن يحسب لذلك اليوم حسابه ، إذ لا يسوغ لأحد ، كائناً من يكون أن يستغل موقعه وقدرته في سحق الآخرين وإذلالهم ثم يكون في مأمن من عقاب الله .
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : ألا وأن الله ورسوله بريئان ممن أضرّ بامرأته حتى تختلع منه .
وقال أيضاً : من كان له امرأة تؤذيه لم يقبل الله صلاتها ولا حسنة من عملها .
وقال أيضاً : إني لأتعجب ممن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها .
وقال علي ( عليه السَّلام ) : لا يكن أهلك أشقى الخلق بك .
عندما ينشب الخلاف :
من الطبيعي أن يصطدم الزوجان وأن يشتعل النزاع بينهما ، إلا أن من الضروري جداً ، عدم تجاوز الحدّ الطبيعي خلال ذلك ، أي أن لا يكون الهجوم ـ إذا صح التعبير ـ قاسياً بحيث يسحق الزوجة ـ على سبيل المثال ـ ويحطّم قلبها ، وبالتالي يصعب إصلاح الأمور وإعادتها إلى ما كانت عليه سابقاً .
ففي بعض الأحيان يكون النزاع من العنف بحيث يحطم صورة الحياة ويدمّر السعادة لدى المرأة ؛ وحتى لو كان هناك نيّة في الطلاق ، لمنافاته مع الجانب الإنساني ، ذلك أن الله خلق الإنسان وأودع لديه قدرة على بيان ما يبغيه أو يريده من خلال المنطق السليم ؛ ولذا ينبغي على الإنسان ، وحتى في أشدّ الساعات حراجة أن يتمالك نفسه وأن لا ينطق لسانه إلاّ بما يرضي الله ورسوله .
.
السعي من أجل إعادة الصفاء :
إن الأصل في الجو العائلي هو أن يسوده الصفاء ، فإذا حصل سوء تفاهم فينبغي عدم تصعيده إلى حالة من النزاع ، فإذا نشب النزاع فيتوجب أن يكون في مستوى بحيث يكون من السهل إصلاح ما فسد من الأمر ، إن من واجب الإنسان هو أن يعيش دنياه بسلوك يليق بإنسانيته ، لا أن يظلم ويفسد ويتهم الآخرين بالباطل ، ذلك أن الإنسان هو الذي يمنح الحياة جمالها من خلال إحسانه وهو الذي يسلبها تلك الصورة الجميلة إذا ما أساء في سلوكه وسيرته .
إن واجبنا الأخلاقي والشرعي يحتم علينا أن نسعى دائماً للحيلولة دون وقوع ما ينغص الحياة الزوجية ، وأن على الزوجين السعي إلى التفاهم دائماً ، فهو الأسلوب الوحيد لحل جميع المشاكل ، وأن يكون شعارهما دائماً العمل على اجتثاثها من الجذور قبل أن تستفحل وتشتد أشواكها وتكون عقبة كأداء في الطريق .
إن الحياة المشتركة تكشف للزوجين أخلاقهما وتعرّف أفكارهما ، ولذا فإن الرجل ، ومن خلال معرفته تلك . يمكنه العمل على تنمية الجانب الإيجابي في زوجته واحتواء جانبها السلبي في نفس الوقت ؛ وهذا الأمر ينسحب على المرأة ـ أيضاً ـ من خلال مداراة زوجها وتعاملها الحسن معه .
دعائم السلام :
ما هو الضرر الذي يلحق الرجل إذا ما أقدم على مصالحة زوجته ؟ ما هو الذي يمكن أن يلحق به لو غض النظر عن الإساءة ، وخطا الخطوة الأولى في المصالحة ؛ فقد تفعل الابتسامة ما لا تفعله جميع الوسائل في تحقيق وتثبيت دعائم الحب في الأسرة والعائلة .
إن الهدف من وراء الزواج هو الإلفة والإتحاد والاستقرار ، وبتعبير القرآن ، السكن . وإذن فإن ما يحقق تلك الأهداف هو الحب والمودّة والصبر والتحمل وكل المواهب الإنسانية السامية ، أما النزاع والمواجهة والغضب فلا عاقبة لها سوى الخسران .
.
الفصل الثاني
الشجار :
من الطبيعي جداً أن يصطدم الزوجان في أفكارهما وأذواقهما ، على أن هذا ليس مدعاة للشجار والنزاع ، بل ينبغي أن يتخذا مواقف مناسبة في علاج وحلّ المشاكل التي تنجم جرّاء ذلك الإختلاف الفكري أو الذوقي ، ولو حصل النزاع الذي لا مفرّ منه فيتوجب على كلا الزوجين عدم تصعيده ليشمل دائرة أوسع وحدوداً لا يمكن السيطرة عليها ، وأن يكون التفاهم نصب أعينهما دائماً .
إن وسائل حل النزاع الذي يهدد الحياة الزوجية ينبغي أن ينطلق من قاعدة الحب والصميمية ، أما إذا استمر الزوجان في عنادهما ولجاجتهما فإن زوبعة النزاع سوف تتحول إلى عاصفة مدمرة تقتلع البناء الأسري من جذوره .
الحياة صراع ، نعم ، هذا صحيح ، ولكنه صراع مع الحرمان ، صراع مع البؤس ، صراع مع الشر . . وفي كل ذلك تقتضي الضرورات أن يتّحد الزوجان وأن يضعا أيديهما في أيدي البعض ويشقّا طريقهما معاً في الحياة .
أساس المشكلة :
وأساس المشكلة هو في تفكير أحد الزوجين وشعوره بالتفوق على صاحبه والسعي من أجل قهره والسيطرة عليه ؛ وعندما يشعر المرء بأنّ من يشاركه حياته هو إنسان يتمتع بكرامته الإنسانية وأنه لا ينقصه أو يزيده شيء عندها تنتفي أغلب دوافع وبواعث النزاع في الحياة الأسرية .
.
فالبحث عن ذريعة النزاع ، والجدل وعدم تحمل الآخر ومحاولة سحقه أو الانتقام منه لا يؤدي إلا إلى التعقيد وتهديد حاضر الأسرة ومستقبلها ، وخلال ذلك لا يجني الطرفان سوى المرارة والألم والعذاب .
إننا نطلب من كلا الزوجين أن يتضامنا وأن يحمي كل منهما الآخر لا أن ينتقم منه .
اللوم :
لعلنا ننسى أو نتناسى بأن الكلام والقدرة على النطق واحدة من نعم الله التي لا تحصى ، وأن من موجبات الشكر أن يسعى الإنسان دائماً للإستفادة من هذه النعمة في ما يرضي الله سبحانه .
وإذن ، فليس من اللائق ولا من المفيد أن يلوم المرء زوجه أو يصب عليه ألواناً من التقريع والكلام الذي لا طائل من ورائه . فما أكثر الكلام الذي ينتهي في لحظات ، ولكن آثاره المريرة تبقى في القلب ، وما أكثر الكلام الذي يبني السدود الرهيبة والحواجز التي يتعذر هدمها بين الزوجين ، فإذا التقيا حدثت المواجهة وبدأ النزاع .
الهجران :
يؤدي النزاع في بعض الحالات إلى أن يهجر أحد الزوجين رفيقه ويتركه وحيداً ، وكان الأجدر بهما حل النزاع عن طريق الحوار والتفاهم ؛ ويمكن القول بأن هذه الحالة من السلوك هو امتداد لمرحلة الطفولة ، حيث « يزعل » الصبي أو البنت ثم يدير ظهره وينصرف ضارباً عرض الجدار اعتبارات الصداقة أو الزمالة غير آبه بما تتركه لدى الآخرين من الآثار والآلام .
إن القطيعة في الحياة الزوجية لا تعبّر عن نضج في السلوك إلا في بعض الحالات عندما تكون إجراء يوفّر للآخر فرصة لمراجعة نفسه ومواقفه ، أما أن تتحول إلى نوع من الضغط وممارسة للتعذيب فأمر يتنافى وأبسط المبادئ الزوجية .
.
تضييق الخناق :
لا يسفر النزاع في الحياة الزوجية إلاّ عن الألم والعذاب للطرفين ناهيك عن التقصير في أداء الواجب وضياع الحق ، وإذا بالمنزل الذي ينبغي أن يتحوّل إلى عش دافىء يصبح جحيماً يحرق الزوجين ويدفعهما إلى الفرار والخلاص ، وما أكثر الذين دفعهم هذا الإحساس إلى الإقدام على أعمال هي في حقيقتها ردود فعل متشنجة لا تخلّف سوى المرارة والألم .
تقاليد جاهلية :
بالرغم من التقدم الذي أحرزته البشرية في عصرنا الراهن ، إلا أننا ما نزال نشهد في السلوك الإنساني عادات جاهلية ومظاهر متخلّفة تدعو إلى التأمل ، فما زال البعض يتصرف انطلاقاً من قانون الأقوى أو قانون الغابة أو البقاء للأقوى ، إلى غير ذلك من العادات الجاهلية .
ويتجلّى قبح مثل هذه التصرفات في محيط الأسرة عندما يتحول الرجل ـ مثلاً ـ إلى جلاّد أو سجّان أو حاكم مستبد ، وعندها تنزوي كل الأشياء الجميلة في البيت الذي يتحول إلى مجرد سجن أو قفص يحلم ساكنوه بالخلاص منه ؛ ولا ننسى هنا المواقف المتشنجة التي يبديها الضحية والتي تزيد من تعقيد الأوضاع وتزيدها مأسوية .
وإذا كنا مسلمين حقاً فيجب أن نجعل ديننا مثلاً أعلى لثقافتنا ، وأن نزيح عن طريقنا كل العادات الجاهلية التي تصطدم مع السنن الإلهية والأخلاقية السامية .
الضرب :
إن ما يدعو للتأسف والمرارة هو وجود بعض الأزواج من الذين يفتقدون الشعور بالمسؤولية والذين لا يجدون أو يجيدون وسيلة للتفاهم مع شركاء حياتهم سوى الضرب جاعلين من البيت حلبة للملاكمة .
إن هذه التصرفات تتنافى مع إنسانية الإنسان ، إضافة إلى تناقضها مع ديننا كمسلمين لنا في رسول الله والأئمة من أهل بيته أسوة حسنة .
.
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : « إني لأتعجب ممن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها » .
البيت دنيا المرأة ومملكتها التي تحيى فيها ومن أجلها وهي التي يمكنها أن تبثه دفئاً وتملأه عاطفاً وحناناً وتجعل منه عشاً .
إنك بضربك زوجتك إنما تسحق جميع تلك الأحاسيس وجميع تلك العواطف وتجعلها تحت قدميك ، وتجعل من شريكة حياتك إنساناً شقيّاً بائساً . وماذا يجديك من وجود امرأة مقهورة في بيتك ؟ وأي مجد تحصل عليه من وراء سحق كائن اختار الحياة معك وإلى جوارك ؟
إن المرأة ـ ذلك المخلوق الحساس ـ هي في حقيقتها أم تضم بين حناياها أطفالك ، فهل تدرك ماذا يفعل الضرب بأمومتها ؟ وأي آثار مدمّرة يلحق بها كزوجة تشاطرك هموم الحياة ؟
نتائج الضرب :
لا يسفر الضرب إلاّ عن قلوب محطمة ومشاعر جريحة وعواطف ممزقة ، كما أنك بضربك زوجتك تقضي على الاحترام المتبادل بينكما وتدق إسفينا في علاقتكما الزوجية الحميمة ، التي قد تتدهور وتنتهي إلى الطلاق .
ينبغي أن يتحول البيت الزوجي إلى عش دافىء وسكن وارف الظلال لا إلى حلبة للمصارعة والعراك أو غابة رهيبة يسودها قانون الأقوى . إنك بسلوكك هذا تنسف ذلك السكن الآمن والمأوى المطمئن وتمزّق ذلك الوجه الجميل للحياة الزوجية لتبدأ حالة من التشرد والضياع .
تعاليم الإسلام :
إن السلوك الفظ والمعاملة المذلّة تتناقض وتعاليم الإسلام الذي يأمرنا بالإحسان إلى المرأة ، فكيف إذا تعدى الأمر ذلك إلى الاعتداء عليها بالضرب ؟! أليس من القبح أن يضرب المرء زوجه وشريك حياته ورفيق دربه ؟!
.
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : « لا يخدم العيال إلا صدّيق أو شهيد أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة » .
وقال ( عليه السَّلام ) : « اتّقوا الله في الضعيفين : اليتيم والمرأة ، فإن خياركم خياركم لأهله » .
وقال ( صلى الله عليه و آله ) : « من حسن برّه بأهله زاد الله في عمره » .
ويعبر الإمام علي ( عليه السَّلام ) عن المرأة أنها ريحانة وليست قهرمانة .
إن الإسلام يأمرنا بمداراة المرأة والإحسان إليها وغض النظر عن بعض أخطائها .
العقاب الإلهي :
لا يختلف النزاع في الحياة الزوجية عن أي نزاع آخر إن لم يكن أسوأ منه ، وهو يعني وجود قضية معينة ووجود ظلم وظالم وبريء . وفي هذه الحالة فإن للشرع القول الفصل في ذلك .
الحق هو أسمى قيم الإسلام الحنيف كما أن القوة لا تبرر أبداً تجاوز المرء حدّه والاعتداء على الآخرين بالضرب والشتم .
فهذا رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) . يحذّر من الإساءة والعدوان على المرأة : « ألا وأنّ الله ورسوله بريئان ممن أضرّ بامرأة حتى تختلع منه » .
وفيما يخص عدوان المرأة على زوجها قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : « من كان له امرأة تؤذيه لم يقبل الله صلاتها ولا حسنة من عملها » .
وإضافة إلى كل ذلك فإن الظلم يتسبب في تعذيب الضمير وقلق الوجدان وهو أمر يسلب من المرء إحساسه وبالسعادة وراحة البال واطمئنان الخاطر .
الاكتشاف :
وإذا كان للنزاع الزوجي من حسنات فإنها تكمن في وضع الزوجين
.
على المحك في اختبار دقيق يكشف أخلاقهما وتوجهاتهما وقيمهما وما تنطوي عليه من دوافع ، فالرجل يكتشف امرأته ، والمرأة تكتشف زوجها وتعرف إلى أي مدىّ يمكنها الثقة به والاعتماد عليه واللجوء إليه .
وما أكثر النزاعات التي تهبّ كأنّها عاصفة مدمّرة ولكنها تغادر بسرعة ، وتسفر عن استقرار نفسي مدهش ، حيث يولد حب عنيف يربط الزوجين بعلاقات وعرى وثيقة ، ولا ننسى ـ أيضاً ـ أن النزاع يساعد الزوجين على ترتيب مواقعها وإعادة حساباتهما ، ومن ثم التصرف بقدر من الحكمة أكثر ، مما يوفّر فرصة للتفاهم في المستقبل .
في طريق الإصلاح :
إنني أوصي جميع الأزواج رجالاً ونساءً بعدم الاختلاف والتنازع ولكن لو حصل ذلك فإني أؤكد على عدم توسيع رقعة النزاع لما في ذلك من الأضرار المدمّرة التي تؤثر في البناء العائلي من الأساس .
فإذا حصل وتأزّمت الأوضاع وتوتّرت الأجواء في البيت الزوجي فليحاول المرء أن يجعل من تلك البروق والرعود ، ومن تلك الغيوم مطر من الرحمة ، يغسل بمياهه آثار تلك العاصفة .
علينا أن نسعى دائماً لرفع الاختلاف وأن نصلح ذات بيننا ونرسي دعائم الحب وأن نرفع من شخصيتنا ونسمو بها إلى مراتب الكمال . وهل هناك ما هو أعظم من الإسلام طريقاً ومن الإسلام مدرسة تعلمنا أسلوب العيش وطرق الحياة .
.
الفصل الثالث
الطلاق :
الإنسان كائن اجتماعي بالطبع ، وهو يشعر بالحاجة إلى فرد من نفس نوعه يبثه همه ويرافقه في رحلته عبر الحياة أو يقف إلى جانبه وقت الشدائد فيحس فيها بالراحة والطمأنينة ؛ وهو بعد كل هذا حاجة طبيعية للتكامل الإنساني ، وبدون ذلك يراوح الإنسان في مكانه أو يتراجع إلى الوراء .
وعلى هذا ، فإن حياة المرأة أو الرجل ستكون في غاية الصعوبة بدون الزواج ، فحالة العزوبية هي حالة القلق وعدم الاستقرار ، ولذا فإن نداء الزواج نداء ينبعث من أعماق الإنسان وأن الإقدام عليه هو تلبية لحاجة فطرية وطبيعية موجودة في التكوين البشري .
وبالرغم من كل ذلك فإن التعايش في الحياة المشتركة للزوجين قد تخلق بعض التصادم وعدم الانسجام ، ولذا فينبغي إرساء العلاقة على أساس من معادلة الحقوق والواجبات المتبادلة ، كما أن عقد الزواج يختلف عن غيره من العقود فهو يمتاز بقدسية خاصة تجعله في منزلة سامية حتى أن العرش الإلهي ليهتز لدى إلغاء هذا العقد بالطلاق لما في ذلك من الآثار والأضرار والخسائر المدمّرة التي تنجم عنه أو تترتب عليه
مسألة الطلاق :
يؤدي النزاع بين الزوجين في بعض الأحيان إلى التفكير بالإنفصال والطلاق ، وقد يحدث أحياناً أن يكون التفكير في ذلك من جانب الرجل أو المرأة أو باتفاق الاثنين معاً .
.
ولو كانت الحياة المشتركة عقداً غير قابل للفسخ إلى الأبد فإن حالة النزاع المستمرة وغياب الانسجام سوف يحوّل الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق ، وعندها سوف يجد أحد الطرفين نفسه محطماً تعصب بآماله وأحلامه رياح الزمن فتبددها هنا وهناك وستحيله إلى إنسان خاو خال من العاطفة والإحساس ؛ وقد تتصاعد حدّة الاختلاف والتوتر إلى موت أحد الطرفين عمداً أو خطأ أو بطيئا ، مما يوسع من دائرة الألم لتتعدى محيط الأسرة إلى المعارف والأقرباء ، حيث تبقى آثار ذلك مدّة من الزمن .
هواجس الطلاق :
قد يكون الطلاق في بدايته حلاً جذرياً للعديد من المشاكل الزوجية ، ولكن الطلاق ينطوي على شرور ومآس لا يمكن إسقاطها من الحساب .
إن اعتبار الطلاق حلاً مثالياً هو خطأ كبير يرتكبه العديد من الأزواج حتى بعد إقدامهم على الزواج مرّة أخرى . وقد أشار مسح ميداني أجري على مئة حالة طلاق اعتبر الغالبية فيها الطلاق أكبر خطأ ارتكبوه في حياتهم وأكد أكثرهم أيضاً على أنهم شعروا بالارتياح قد خامرهم في الأيام الأولى من الطلاق ولكن سرعان ما تبدد ذلك ليحل محله شعور عميق بالندم ؛ ذلك أن الطلاق لم يحل المشكلة أبداً حتى مع تجدد زواجهم .
وساوس الانفصال :
وبعد أن يتم الطلاق ويفترق الزوجان تبدأ مراجعة النفس ، ويبدأ تأنيب الضمير والتفكير في العوامل التي أدّت إلى انهيار ذلك البناء ، وفي أولئك الذين حوّلوا الأسرة إلى مجرد أنقاض ، وعندها تصبّ اللعنات تلو اللعنات على الذين وسوسوا لهما بذلك وحببوه إليهما .
حتى أولئك الذين اندفعوا لحماية الزوجة أو الزوج ومن نوايا حسنة ، لن يسلموا من تحمل المسؤولية وتحسين الطلاق في ذهن المرأة أو الرجل ، خاصة إذا كانت الحالة في زيجة عمرها شهور فقط ؛ فالشباب مهما بلغوا من النضج ليست لديهم التجربة الكافية ، فلا ينبغي لأيّ كان أن يتدخل في
.
شؤونهم الخاصّة ويشجعهم على اتخاذ قرار خطير كالطلاق .
ومسكينة تلك الفتاة وذلك الشاب عندما تصور الوساوس لهما بأن الطلاق فكاك من القيود وتتحول كلمات الآخرين المسمومة في خيالهم إلى طريق للحل ونافذة للخلاف .
تنطوي الاستهانة بالزواج كرباط مقدس إلى استسهال الطلاق ومن ثم ضرب كل الاعتبارات الإنسانية عرض الجدار ، ولذا فإن مثل هؤلاء الأفراد لا يرون سوى أنفسهم ومصالحهم دون أدنى اهتمام بالآخرين ، ناهيك عن أن جنوحهم نحو الطلاق سيلحق الضرر بأنفسهم هم أيضاً بالرغم من عدم إدراكهم ذلك إلاّ بعد فوات الأوان .
إن الإقدام على الطلاق إنطلاق من الأهواء النفسية فقط ، لا يتناقض مع الدين والعقل فحسب بل مع النمو والتكامل الإنساني ، ذلك أن الأهواء النفسية لا يمكن أن تكون طريقاً لبناء شخصية الإنسان .
مبغوضية الطلاق :
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : « ما أحلّ الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق » .
وبالرغم من حلّية الطلاق إلا أن الأحاديث والروايات تحذر من الطلاق وتعتبره عملاً شائناً لا ينبغي القيام به حتى لو تم الأمر برضا الزوجين . وإذن فإن الحسابات الإلهية لا دخل لها برضا الطرفين أو عدمه ، فالطلاق يبقى إجراء لا يحظى برضا الله سبحانه أبداً ، ذلك أن الزواج يعني اتحاداً كاملاً بين الرجل والمرأة . . اتحاداً يصل حد الاندماج والانصهار في بوتقة واحدة . ولذا فإن إجراء أو عملا يفكك من هذا الاتحاد المقدس ويقضي عليه سوف يكون مبغوضاً ومؤلماً .
آثار الطلاق :
قد يبدو الطلاق في نظر الزوجين باباً للخلاص من الجحيم الذي صنعاه بأيديهم ، ولذا نراهما يتنفسان الصعداء عند افتراقهما ، ولكن هل يمكن أن تمضي الأمور بهذه السهولة ؟ هل يمكن للزوجين أن ينسيا كل
.
تلك الذكريات واللحظات الجميلة التي عاشاها معاً والأماكن التي زاراها معاً ؟!
إن الحياة الزوجية ليست تجربة عادية . إنها تجربة شاملة يعيشها الإنسان بكل جوارحه ومشاعره .
وإضافة إلى كل ذلك فإن الطلاق لا يمكن اعتباره شأنا شخصياً كما هو الزواج الذي تم بمباركة وسعي العديد من الأصدقاء والأقرباء ، وإذن فإن الطلاق سوف يمسهم جميعاً ولا يمكن ضرب عواطف ومشاعر من يهمهم الأمر عرض الجدار .
إن الطلاق يضع المرء أمام المسؤولية وجهاً لوجه ، وعليه أن يقدم جواباً مقنعاً لأبنائه ، وهو الضحية الأولى لقرار كهذا .
ولا ننسى ـ أيضاً ـ أن الطلاق لا يضع خاتمة للمشاكل بل إنه في أغلب الأحيان بداية سيئة لمشاكل ومتاعب أكثر تعقيداً من ذي قبل .
وصايا في ترك الطلاق :
تزخر الروايات والأحاديث الشريفة بالنهي عن الطلاق ، ويصب أغلبها في نصح الرجل بعدم الإقدام على الطلاق ودعوته إلى مداراة المرأة والإحسان إليها وعدم الإساءة في معاملتها .
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : « إن الله يبغض ـ أو يلعن ـ كل ذوّاق من الرجال وكل ذوّاقة من النساء » .
ولا يقتصر هذا الحديث ، كما هو واضح ، على الرجال فحسب بل ويشمل النساء أيضاً .
إن هذا التشديد الذي نلمسه في الإسلام بعدم الطلاق يعود إلى الاعتقاد بقدرة الزوجين على تجاوز خلافاتهما وقلب صفحة الماضي والبدء بحياة جديدة . . حياة مفعمة بالحب والتفاهم والإيمان ، إن الإسلام يؤمن بقابلية الإنسان وانطوائه على قدرات لا محدودة في حل ما يواجهه من
.
المشاكل والمتاعب ، فكيف إذا كانت المسألة تخص الأسرة وقد أودع الله في هذا الرباط المقدس نبعاً من المودة والحب ؟!
حلّية الطلاق :
بالرغم من التشديد الذي نلمسه في الشريعة الإسلامية بعدم الطلاق ، إلا أنها لم تحرّمه أبداً وأبقت الباب مفتوحاً إذا تعذرت الحلول وعجزت العلاجات ، ذلك أن الإسلام يمنح الأصالة لكرامة الإنسان امرأة كانت أو رجلاً ؛ وإذن فإن جميع تلك النواهي والتحذيرات تتوقف إذا تعلقت المسألة بالدين لأنه القيمة العليا في حياة الإنسان ، فإذا كان استمرار الزواج يعني انهياراً أخلاقياً وسقوطاً دينيّاً فإن الباب مفتوح للخلاص والنجاة ، وإذن فإن الطلاق يعني هنا نوعاً من العمليات الجراحية التي لا بد من إجرائها وبتر العضو الفاسد من أجل حماية الجسد من سراية المرض .
ومهما بلغ الزواج من قدسية فإنه لا يعني قدراً محتوماً لا يمكن لإنسان الخلاص منه ، فعندما يشعر المرء باستحالة الحياة الزوجية وأنه لسبب أو لآخر لا يمكنه الاستمرار في ذلك فإن الله سبحانه قد فتح الباب لمن يعيش مثل هكذا حالة أعلن أن ذلك لا يبرر للرجل أو المرأة انتهاج الأساليب الملتوية لحمل الطرف الآخر على طلب الطلاق ، فأما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .
وإذن فلا يسوغ للرجل أو المرأة أن يؤذي أحدهما الآخر أو محاربته أو التشهير به من أجل حمله على الطلاق . وفي مثل هكذا حالة على المرء أن يتحلى بالشجاعة والشهامة والإنسانية .
المرأة والطلاق :
إذا كانت حلاوة الزواج قابلة للوصف فإن مرارة الطلاق أمر لا يمكن إدراكه إلاّ من قبل أولئك الذين خاضوا تلك التجربة المرّة .
لقد أصبح الطلاق ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد أمن وسعادة المجتمعات اليوم ، ولذا نرى اهتماماً بمعالجة هذه المشكلة من كافّة
.
المستويات ، فالدول والحكومات تسعى من أجل وضع حدّ لتنامي هذه الظاهرة لما لها من الآثار السيئة في البناء الاجتماعي ، ذلك أن الأسرة هي حجر الأساس في هذا البناء وعليها تتوقف متانته واستقامته .
فالطلاق هو بداية الانحراف والسقوط في الهاوية المخيفة ، حيث الفساد الأخلاقي والأمراض النفسية والضياع الشامل للإنسان .
وما أكثر أولئك الذين سقطوا وتاهوا في دروب الحياة فعاشوا الضياع وبقوا على هامش الحياة إلى أن لفظتهم كما يلفظ البحر الجثث الهامدة .
وإذا كان الجميع خاسرين في الطلاق فإن المرأة تعتبر الخاسر الأكبر ذلك أنها أكثر عاطفة ، فهي مرهفة الإحساس ، عميقة المشاعر ، تحتاج إلى من يمنحها الشعور بالأمن والسلام.
ولذا فإن على المرأة أن تكون أكثر وعياً لهذه المسألة وأن تكون أكثر صبراً ومقاومة وسعياً من أجل استمرار الحياة الزوجية بأي ثمن ، وعليها يتوقف أمن أطفالها وضمان تربيتهم تربية صالحة .
.
الفصل الرابع
الأطفال :
يعتبر الجانب العاطفي من أعظم الجوانب في علاقة الطفل بوالديه ، والطفل لا يمكن اعتباره فرداً عادياً من أفراد المجتمع يمكن التعامل معه بطريقة عادية ، إنه أمانة إلهية أودعها الله الوالدين ، ولذا فإن من واجبهما قبول هذه الأمانة العظيمة وتحملهما المسؤولية في ذلك .
إن الزواج ومن ثم إنجاب الأطفال لا يمكن اعتباره فخراً للمرء ، وإذا كان هناك ما يفتخر به فهو تربية هؤلاء الأطفال تربية حسنة وتقديمها إلى المجتمع كأفراد صالحين لائقين بمقامهم كخلفاء لله في الأرض .
ويعتبر المحيط العائلي أفضل وأعظم مدرسة لتربية النشء حيث يتلقى فيها الأطفال أولى دروس الحياة ، في حين يتحول سلوك الوالدين وتصرفاتهم ومواقفهم إلى نماذج ملهمة لهم ؛ ولذا فإن كل يوم يمر عليهم هو في الحقيقة درس لهم ؛ ولذا فإن على الوالدين مراعاة هذا الجانب والابتعاد عن كل ما يسيء إلى هذا الجو ومراقبته فكرياً وأخلاقيا .
الطفولة والمحيط العائلي :
يعتبر الأطفال الأسرة عالمهم الكبير ودنياهم الواسعة حيث يسبحون في عوالمهم الزاخرة بالأماني والأحلام الوردية ، ولذا فإن الأسرة بالنسبة للطفل تعتبر القاعدة الأساسية للانطلاق نحو المستقبل ، وفيها تتحدد توجهاته وترتسم ملامح شخصيته .
فإذا حصل اضطراب في محيط الأسرة انعكست آثاره مباشرة في نفس
.
الطفل وروحه ؛ وما أكثر الأطفال الذين ذهبوا ضحية للنزاعات الزوجية ، ذلك أن عدم الاستمرار والاضطراب يدمّر أول ما يدمر شعور الأطفال بالأمن ويزرع في قلوبهم الخوف ، الأمر الذي يزلزل شخصيتهم ، وبالتالي يعرضهم إلى الضياع .
إن مرحلة الطفولة هي أحلى وأجمل المراحل في حياة الإنسان ، وأنه مما يدعو إلى الأسف أن يقوم الوالدان ، ومن خلال نزاعاتهما ، بالإساءة إلى أطفالهم والقضاء على تلك البسمات البريئة التي ترتسم على شفاههم ليحلّ محلّها القلق والخوف والضياع .
النموذج السيئ :
ي