الأُسرة و قضايا الزواج

من سوء الحظ إن الإنسان يحكّم عواطفه ومشاعره في أكثر المسائل حساسية ومصيرية فهو يطلب من الآخرين النزول على رغباته دائماً ، ولو كان هناك قدر من المحبة والتسامح لما كان هناك من أثر للنزاع .
وينبغي للشباب أن يعتبروا ما ورد إنذاراً مبكراً لهم قبل أن يلجوا عالم الحياة الزوجية ، ينبغي لهم أن يحكّموا وألاّ ينقادوا لأهوائهم الشخصية ، وأن يحسنوا الاختيار ، وأن يكون هدفهم الإنسان الذي يمكن التفاهم معه ، لا الإنسان الذي يريد من الأشياء أن تدور في فلكه ومداره .
.
الفصل الثاني
الطموحات اللامحدودة :
في غفلة عن الحسابات الواقعية للزواج وتأثير البعض وإيحائهم أحياناً تنطلق في نفس الرجل أو المرأة طموحات لا حد لها ، إذ يتصور أحدهما أن سيحقق في ظل الزواج جميع طموحاته دون حساب ، وأن الحياة ستكون مفروشة بالرياحين غافلاً عن أن الدنيا لها حسابها الذي يختلف عن حساباته .
هناك بعض الطموحات المعقولة والمحسوبة ، وهذه مسألة منطقية لا يعترض عليها أحد ، لكن هناك من الطموحات ما لا يمكن أبداً تحققه على أرض الواقع وإذن فينبغي الكف عنها .
الطموحات اللامعقولة :
لا يمكن استقراء جميع الطموحات الخيالية ، وسيكون عدّها مسألة في غاية الصعوبة ، وسنكتفي في هذا البحث بالإشارة إلى أهمها كظاهرة عامة .
1 ـ الملائكية :
ربما تثير هذه المسألة الضحك عندما يطمع الرجل أو المرأة وخاصة في أوساط الشباب أن يكون الزوج ملاكاً بعيداً عن كل أشكال الخطأ ، ولهذا فهو معرض للحساب واللوم دائماً .
إن تصور الزوج أو الزوجية ملاكاً قادماً من السماء لأمر غير منطقي تماماً . نحن نعيش في عالم البشر لا في عالم الملائكة ، ومن يعيش في هذا العالم لا بد أن يخطىء أو يصيب . الإنسان مزيج من صفات متعددة ، ومن أجل خصاله الطبيعية ينبغي أن نغفر له أخطاءه أو نغض الطرف عنها .
.
2 ـ المستوى العلمي :
وهذه ظاهرة نشاهدها لدى الكثير ، حيث نجد فرقاً بين المستوى العلمي للرجل والمرأة ، وربما ظن بعضهم أن الحياة فصل من فصول المدرسة يجلس فيه الزوجان للبحث والمناقشة والجدل ، وقد يتصور أحدهما أن السعادة تكمن في ظلال شهادة الدبلوم أو الدكتوراه . وفي هذه الحالة كان من الواجب على أولئك أن يفكروا في ذلك من قبل ، أو أن يهيئ أحد الطرفين الظروف المناسبة لتقدم زوجه في هذا المضمار .
3 ـ النظام الدقيق جداً :
نشاهد لدى البعض من الأزواج نوعاً من الوسواس ـ إذا صح التعبير ـ في النظام ، وإصرارهم على أن يكون كل شيء في مكانه ، ولذا قد ينشب النزاع حول بعض التفاصيل اليومية كعدم وجود القلم ـ مثلاً ـ فوق المنضدة وهلمّ جرا .
صحيح أن الحياة تحتاج إلى قدر من النظام والبرمجة ، غير أن هناك فرقاً بين الأسرة ومعسكرات الجيش .
4 ـ الاستسلام الكامل :
ينظر البعض ومع الأسف إلى أزواجهم على أنهم عبيد وأرقاء ، وعليه فإنهم مطالبون بتنفيذ ما يصدر إليهم من أوامر دون نقاش ، وهذه النظرة بالطبع تفتقد إلى الحس الإنساني ولا ينبغي أن يشعر الإنسان بالسعادة إذا تمكن من تحقيق ذلك . ما الفائدة التي يمكن أو يجنيها الزوج إذا حوّل زوجته إلى مجرد جارية وما هو النفع الذي تجنيه الزوجة إذا تحول زوجها إلى عبد ؟ أليس هذا نسفاً لمعنى الحياة ؟!.
5 ـ التشديد في السيطرة :
إن معاني الحياة تمكن في الحرية ، وبالرغم من طموح الإنسان لأن يعيش حراً فإنه يعمد إلى محاولة استعباد الآخرين كما يفعل ذلك بعض الأفراد بعد زواجهم ، إذ يحاولون ، وبإصرار ، مراقبة كل شيء بدقة ضباط
.
التحقيق ، حيث البيت الزوجي في نظرهم منزل زاخر بالأسرار التي ينبغي الكشف عنها . إن مثل هذه الرؤية المشوّهة لا بد وأن تقود إلى الاصطدم والتنازع .
6 ـ الإغراق في الاحترام :
الاحترام المتبادل بين الزوجين مطلوب ولا يحتاج إلى نقاش ، ولكن لكل شيء حدوده الطبيعية ، فإذا تعدّاها فقد معناه وفائدته ، كما أن الحياة الزوجية حياة تنبض بالعفوية والمحبة ولا تتناسب مع الرسميات والتشريفات التي يمكن تحملها ساعة أو ساعتين ، أما الحياة المشتركة التي تمتد بامتداد العمر وتتسع لتشمل الحياة كلها فلا تنسجم مع الرسميات التي تتناقض مع الحب والعلاقة الحميمة المشتركة .
7 ـ العمل والسعي الفائقان :
هناك بعض النسوة اللائي ما أن يصل أزواجهن من العمل حتى يجرجرنهم إلى عمل آخر . فمثلاً تلقي المرأة طفلها الرضيع في أحضانه للقيام على راحته وشؤونه ، غافلة عن أن زوجها قد وصل تواً من عمل مرهق ، وأنه يحتاج إلى قدر من الراحة .
أو نشاهد بعض الأزواج ما أن يضعوا أقدامهم في البيت حتى يطلبوا من نسائهم توفير جميع وسائل الراحة غافلين عن هذه الحقيقة وهي أن الزوجة كانت تعمل منذ الصباح في إدارة المنزل ورعاية الصغار .
8 ـ وأخيراً :
فإن هناك بعض الأفراد الذين يتمنون نوعاً من السعادة قد رسموها في أذهانهم ويطلبون من الآخرين ممن يشاركونهم حياتهم أن يكونوا لهم خدم . في ذلك ، فهم ينشدون حياة تطفح بالنجاح الكامل والدائم بناءً على نظرياتهم الخاصة ، وعندما يحدث قصور في ذلك فإنهم يحمّلون الآخرين مسؤولية الفشل في ذلك ، ومن ثم تبدأ حياة النزاع .
منشأ الطموحات :
وللسؤال عن منشأ هذه الطموحات الخيالية التي تجر الحياة الزوجية
.
إلى أتون النزاع والخلاف ، هناك أسباب عديدة تشكل بمجموعها الإجابة عن هذا التساؤل .
1 ـ الأنانية :
ما أكثر الأفراد الذين ، وبسبب تربيتهم الخاطئة حيث ينشأون على الدلال ، تترسخ في نفوسهم نزعة السيطرة اعتقاداً منهم بأنهم في مكانة رفيعة تؤهلهم لفرض رأيهم على الغير ، ولذا فهم يمتازون بالعناد والغرور حتى في مقابل الحق . وهذا التوجه في فرض آرائهم على الطرف الآخر يقود إلى النزاع بلا شك ، ذلك أن الآخرين ليسوا على استعداد للتنازل والاستسلام لرغباته .
2 ـ الوعود القديمة :
ربما نشاهد بعض الأزواج من الشباب في حالة من النزاع والخلاف الدائمين ، دون أن نجد سبباً واضحاً لذلك سوى الوعود القديمة التي ظهر زيفها وبطلانها فيما بعد . فالوعود التي بنيت عليها الآمال العراض تنتهي إلى لا شيء ، والينبوع العذب لم يكن سوى سراب بعيد . وفي مثل هذا الحالة لا يمكن أن نتوقع سكوت الطرف المعنيّ أو أن ننتظر أن يغض طرفه عن ذلك ، وهكذا يتفجر النزاع .
3 ـ التحريض :
نشاهد في بعض الأحيان نساءً يعرن آذاناً صاغية لبعض الأفراد الماكرين ويتأثّرن بأحاديثهم المعسولة التي تحوي في داخلها السم الزعاف ، وإذا بالزوجة تتغير تجاه شريك حياتها ، وإذا بالزوج يتغير تجاه زوجته ، كل هذا يحصل جراء حديث تافه كأن يقول أحدهم للمرأة مثلاً : يا للأسف لحياتك التي تضيع هباءً مع هذا الرجل وكان من الأجدر بك أن تعيشي مع رجل له كذا وكذا ومعه كذا وكذا وغير ذلك مما يترك آثاره السلبية لدى المرأة وبالتالي يظهر الفتور في حياة الزوجين وعلاقاتهما .
.
4 ـ الطموح والاختبار :
نصادف أحياناً نوعاً من المشاكل التي تظهر جراء الاختبار ومحاولة أحد الزوجين امتحان الآخر ووضعه على المحك ومعرفة مدى الأهمية التي يضمرها له ، وفي هذه الحالة فإن عدم تحقيق واحدة من تلك الطموحات سيضرب القاعدة والأساس في الصميم وبالتالي يعرض مصير الأسرة للخطر . وينبغي في مثل هذه الحالات أن يتصرف الطرف الآخر بلباقة إذا لم يمكنه تحقيق طموح شريك حياته .
5 ـ الإرهاق الناشئ عن العمل :
تنشأ بعض الإختلافات بسبب شعور أحد الزوجين بأن شريكه لا يقدر مدى ما يعانيه من تعب وإرهاق في سبيل تحصيل لقمة العيش فهو يشعر على الأقل بأنه وحيد دون سند أو حتى تشجيع ، وفي هذه الحالة تتراكم في أعماقه المشاعر الدفينة والعقد التي سرعان ما تنفجر لسبب أو آخر على صورة نزاع أو خلاف حاد كفرصة للانتقام .
6 ـ عدم التحمل :
لقد سبق وأن أشرنا إلى هذه النقطة ، حيث يوجد الكثير من الأفراد ، بسبب التربية الخاطئة ، لا طاقة لهم على التحمل والصبر ، فهم يطمحون إلى العيش في دلال دائم يتطلب من الطرف الآخر المراقبة المستمرة وتنفيذ كل رغباته ، وهو أمر لا يمكن توفره دائماً لدى الطرف الآخر ، أو ربما يتوفر لبعض الوقت ثم يفتر أو ينعدم ، وفي هذه الحالة يثور الطرف المدلّل مطالباً بحقه .
7 ـ عدم تفهم الطرفين بعضهما :
وأخيراً فإن أحد بواعث النزاع الذي يعصف بالحياة الزوجية هو غياب التفاهم وعدم إدراك الزوجين بعضهما البعض . وقد تنشأ هذه الظاهرة من جراء الاختلاف الكبير في العمر أو المستوى الثقافي ، الأمر الذي يضع كلاً منهما في واد بعيد عن الآخر ، فهذا ينشد السفر والمرح وذاك ينشد التحقيق
.
والبحث . وهذا « التناقض » ـ إذا صح التعبير ـ سيدقّ اسفينه في الحياة الزوجية .
وفي هذه العجالة يمكن إضافة بواعث أخرى لدى الطرفين ، كوجود حالة من الطفولة ، الخوف من الحياة ، الهروب من المسؤولية الممارسات الفظّة . . الخ .
عوامل تضاعف من حالات الطموح :
ما أكثر العوامل التي تنفخ في بالون الطموح وتبعده عن أرض الواقع ، فمثلاً التطلع إلى حياة الآخرين خاصة أولئك الذين يعيشون في بحبوحة من العيش ، إضافة إلى ما تشيعه بعض أجهزة الإعلام بمختلف وسائل التعبير من ثقافة منحرفة ، عن دنيا الخيال وعالم العناد الذي يبعد الإنسان ويجعله يعيش في دوامة من الخيال التي تحرفه عن الطريق .
بحث في الطموحات :
إن الطموحات التي تنشأ في ظل الزواج أمر لا يعترض عليه أحد ، بل أن الحياة الزوجية الخاوية من الطموح لا معنى لها ، ولكن الحديث هنا عن حدود الطموح ومدى منطقيته ، ذلك أن بعض الطموحات التي تخرج عن دائرة المعقول لها آثار سلبية تهدد نفس الحياة الزوجية بالدمار .
أن تطمح المرأة مثلاً لأن يجسد زوجها دور العاشق دائماً أو أن يطمح الرجل في رؤية زوجته تلعب دور الأم في تدليله على الدوام ، إن مثل هذه الطموحات هي حالة طفولية بعيدة عن التفكير الناضج .
صحيح أن الزوجين بحاجة إلى قدر من الأمومة والأبوة في التعامل ، شرط أن لا تتعدى الحدود المعقولة .
ضرورة كبح جماح الرغبات :
تحتاج الحياة الزوجية إلى قدر من القناعة وضبط النفس أمام الكثير من الرغبات التي لا يمكن تحقيقها ، وهذه الحالة مطلوبة من المرأة في كثير
.
من الأحيان خاصة إذا كان زوجها محدود الإمكانات ، حيث سيساعد ذلك على حل الكثير من المشكلات وتذليل العديد من العقبات التي قد تعترض طريق الحياة الزوجية .
إن التمتع بالحياة الزوجية لا ينشأ في ظل الطموحات العريضة والملوّنة ، بل أن الطموحات التي تخرج عن حدها قد تصدّع الحياة المشتركة وتصيبها بالشلل ، إن الحياة المشتركة تتطلب من الإنسان أن يكون واقعياً في طموحه ، صبوراً في تحقيق ما يصبو إليه ، وتتطلب منه السعي المتواصل دون كلل أو ملل .
.
الفصل الثالث
الشكوك وسوء الظن :
الزواج في حقيقته نوع من الاتصال والاتحاد بين عالمين مختلفين وحياتين لهما خصائص مختلفة . والزواج لا يعني إلغاء خصائص الزوجين ، بل يعني التمتع بالحياة سوية والشعور بالاستقرار والطمأنينة في ظلال من الحياة المشتركة .
ولذا فإن مثل هكذا حياة ينبغي أن تنهض على أساس من الحب المتبادل والصفاء والتفاؤل وإلا فلا يمكن لها الاستمرار بسلام .
من المشاكل التي تعترض الحياة المشتركة هو التشاؤم وسوء الظن الذي يهدد السلام العائلي بالخطر ؛ ذلك أنه ينسف في بدايته عرى التفاهم ، وبالتالي يفجر الصراع .
صور من سوء الظن :
ينجم عن سوء الظن بروز حالة النزاع الزوجي في الأسرة من خلال بعض العلل والأسباب ؛ فمرة يظهر سوء الظن في الجانب الاقتصادي ، حيث يشعر أحد الطرفين بأن الآخر يخفي هذا الجانب دونه ، فقد تظن المرأة ـ مثلاً ـ بأن زوجها يتقاضى مرتباً أكثر بكثير مما يعلن عنه وأنه ربما يدخره أو يصرفه في موارد لا علم لها بها .
ومرة يظهر الشك في جانب آخر يرتبط بالعفة وطهارة الثوب ، في حين ليس هناك سوى الشك فقط الذي ينجم عادة عن الغيرة .
ومرة يبرز سوء الظن عن الإحساس بالتآمر حيث يشكّك أحد الطرفين
.
ويظن بأن الآخر يتآمر عليه ، وأنه قد يستهدف القضاء عليه . وعندما نتعمق في داخلها لا نجد سوى الحب الذي يضيع خلف ركام من عدم التفاهم وعدم إبراز هذه العواطف المتبادلة والود المشترك .
الآثار المدمرّة :
للتشاؤم في جميع صوره آثاره المدمرة في الحياة الزوجية ، وقد يجرّ في بعض الأحيان إلى الطلاق وانهيار الأسرة أو قد يعصف بسمعة أحد الطرفين الذي يجد نفسه في موقف صعب لا يمكنه فيه من رد الاعتبار إلى كرامته المهدورة .
إن سوء الظن ينسف أول ما ينسف أساس الاتحاد بين الزوجين ويفقدهما القابلية على الاستمرار ، إذ يتجلى ذلك من خلال الأحاديث الخاملة والتعبير عن الاحتقار ورؤية الحياة من خلال منظار مظلم وأنها مليئة بالآلام التي لا يمكن علاجها .
من الأخطار الأخرى التي قد تنجم عن سوء الظن هو زوال الإحساس بالعزة والكرامة مما يجعل حياة الزوجين في معرض خطر داهم ، إذ أن الحياة الزوجية تتطلب من كلا الطرفين حماية الطرف الآخر ، وحالة سوء الظن تعني زوال هذا الجانب وانكشاف الواقع إذا صح التعبير .
بواعث الشك :
من الضروري الإشارة إلى الأسباب والبواعث التي تمكن وراء الشكوك وإساءة الظن ؛ وعلى أساس البحث ـ من خلال رسائل الشباب وبعض وجهات النظر يمكن الإشارة إلى ما يلي .
1 ـ التسيّب :
قد يبدو الزوجان من خلال المعاشرة مع الآخرين في حالة من التحلل وعدم الالتزام ، خاصة لدى حضورهما معاً في المحافل العامة ، وخاصة في أحاديثهما أو إطلاق الضحكات التي تجعلهم محلاً للإنتقاد ، وقد يبدو أنهما متساهلان في ذلك ، ولكن التراكمات تتجمع في الأعماق مما تولّد الحقد الذي يظهر في أول فرصة مناسبة .
.
2 ـ الغيرة :
وهي أحد عوامل سوء الظن والشك ، إذ أنها تضخم الرؤية لدى أحد الطرفين وتجعله يرى الأشياء في غير ما هي عليه مما تدفعه إلى تعنيف الطرف الآخر بشدة متّهماً إياه بالعمل على تدمير الحياة الزوجية .
3 ـ الأنانية والمغامرة :
يعاني بعض الشباب من استمرار حالة الطفولة ، ولذا فإنهم يتصرفون كما لو كانوا أولاداً طائشين ، فبمجرد ما تصور لهم أوهامهم شيئاً تتأجّج في أعماقهم روح المغامرة ، ومن ثم يبدأ النزاع الذي يحاول البعض ـ ومع الأسف ـ تصعيده إطلاقاً من لؤمهم وانحطاط نفوسهم .
4 ـ السرية في العمل :
قد يشعر الرجل أو المرأة بوجود أعمال في الخفاء ، الأمر الذي يثير الشكوك لديهما . وعندما تتجذر حالة الشك في النفس تتحول إلى سوء ظن مزمن يفسر الأمور على غير حقيقتها ، وبالتالي يفجّر حالة الصراع .
5 ـ الأمراض :
المراد من الأمراض هنا الأمراض النفسية بصورها المتعددة ، فهناك حالة الوسوسة التي قد يعاني منها الرجل أو المرأة فيجرّ حياتهما المشتركة إلى الشقاء ، وهناك الضعف العصبي ، أو بعض العقد القديمة التي تعود إلى أيام الطفولة ، وكل ما يجعل الروح تعيش في حالة من الضيق بالآخرين والتشكيك بهم .
6 ـ الحرمان :
قد ينشأ سوء الظن كنتيجة لحرمان تعرض له أحد الزوجين في فترة سابقة وتولّد لديه إحساس بالمرارة ، وهزّ جميع الثوابت في أعماقه ، فإذا به يشكك في كل شيء ، وإذا به يحاسب زوجه حساباً عسيراً من أجل شيء تافه .
,
7 ـ وضع القيود :
يحاول البعض وضع القيود في أيادي أزواجهم ، بحيث يشلّهم عن الحركة ، بل وحتى التنفس في جو صحي ، مما يدفع بالطرف المقابل إلى الشعور باستحالة استمرار الحياة الزوجية بهذه الوتيرة ، ومن ثم التمرد ومحاولة التخلص من الوضع المهين والمذلّ .
وأخيراً وليس آخراً ، ينشأ سوء الظن بسبب تدخل بعض العوامل الخارجية من قبيل تحريض بعض الأعداء المتلبسين بثوب الصداقة ، ومع الأسف فإن مجتمعنا يعج ببعض الأفراد الذين لا يمكنهم تحمل رؤية سعادة واستقرار الآخرين ، فيحاولون توجيه ضرباتهم المسمومة للإطاحة بالأسر السعيدة . ولو كان هناك أقل يقظة من جانب الزوجين لما أمكن لهؤلاء المنحطّين أن ينجحوا في تآمرهم الدنيء هذا .
وهناك أسباب أخرى تنشأ عن رتابة الحياة ، التدخل في الشؤون الخاصة ، المراقبة المستمرة ، الإهمال ، الإهانة ، والتعنيف الدائم ، وغير ذلك .
نشوب النزاع :
يبدأ النزاع بسبب بعض التفاصيل الصغيرة ، وسرعان ما تتجذر هذه الحالة لتتخذ شكلاً أوسع في المستقبل ، يصعب علاجها حينئذ . فالشقاء يبدأ مع المحاسبة المستمرة حتى لو كانت حول بعض التفاصيل ، ولكنها في النهاية تعكر من صفاء الأجواء في الأسرة ، في حين يمكن حل الكثير من المسائل في جو من التفاهم وفي ظلال من الاحترام .
هناك بعض المسائل التي تواجه صمتاً من جانب وإهمالاً من جانب آخر ، غير أنها تتجذر في الأعماق وتنمو لتشكل فيما بعد تهديداً خطيراً للكيان الأسري . ولذا ينبغي أن يتمتع كل طرف بقدر من ضبط النفس تجاه تجاوزات الطرف الآخر ، وأن يقابل الإساءة بالإحسان وإلا فإن التصادم سوف يحطم الاثنين معاً ويقودهما إلى هاوية الطلاق .
.
ضرورة التخلص من سوء الظن :
يعتبر الإسلام في طليعة المذاهب التي تندّد بسوء الظن وتدعو إلى اجتثاثه من النفوس ، خاصة في الحياة الزوجية ، ويدعو الزوجين إلى الاستمرار في الحياة المشتركة في ظلال من الطمأنينة والثقة المتبادلة .
إنها حالة صبيانية أن يعجز شخصان عن التفاهم فيما بينهما حول المسائل ذات الهم المشترك . إنني أخاطبكم أيها الشباب ، باعتباركم مسؤولين عن تربية الجيل القادم . إن هذه المسؤولية تتطلب منكم شعوراً يسمو بكم عن توافه الأمور . وإن عجزكم عن التفاهم يعبّر عن عدم أهلّيتكم لاحتضان الجيل وتربيته .
وهل كان الهدف من ارتباطكم المقدس هذا هو صنع هذا الجحيم من الحياة ؟! وهل ـ حقاً ـ لا توجد سبل لحل الخلاف الزوجي ؟! إن الزواج يعبّر عن تخطّيكم الكامل لحياة الطفولة ودخولكم عالم المسؤوليات بكل تشعباتها التي تحتاج إلى تفاهمكم وتعاضدكم وحل جميع المشاكل في جو من الهدوء لكي تكونوا أفراداً صالحين ونافعين في مجتمعكم وبلادكم .
طريق الخلاص :
وفي محاولة للتخلص من حالات الشك وسوء الظن يمكن الإشارة إلى بعض السبل ، وهي كما يلي :
1 ـ الالتزام بحدود الإنسانية :
إن الحياة الزوجية تعني في أقل التقادير تعاقد إنسانين على الحياة معاً وتحت سقف واحد ؛ وهذه الحياة المشتركة تتطلب التزاماً ببعض العهود منها ما يحدده الدين والعرف ومنها ما يحددها الإنسان بنفسه . وعليه فإن أقل ما يمكن رعايته من جانب الزوجين هو احترام الأعراف في ما يخصّ العلاقات الزوجية .
2 ـ رعاية العفّة :
وهي في الواقع الحجر الأساس في البناء الأسري ، إذ أن الزوجين
.
على السواء ملزمان أمام الشريعة باحترام هذا الجانب الحساس في الحياة وعلى جميع الأصعدة ، فالعفة تشمل الحديث والمعاشرة وطهارة الثوب وغير ذلك من الأمور .
وعليه ، يتوجب على كلا الزوجين الابتعاد عن كل ما من شأنه المساس بهذا الجانب من قبيل الافتراء والبهتان وظن السوء ، وأن عليهما الاهتمام ببعضهما وتقاسم حلاوة الحياة ومرارتها .
3 ـ التثبت في الأمور :
ما أكثر الأفراد الذين يصغون إلى أحاديث الإفك فيتأثرون بشدّة ، وتنشأ في نفوسهم حالة من سوء الظن والشك الذي قد يترتب عليه المواقف الخطيرة وقد كان من الممكن تفاديها بقليل من التثبت والرويّة .
إن أي قرار متسرع دون بحث وتفحص لا بد وأن ينتهي إلى نتائج وخيمة لا تحمد عقباها ، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف في الشخصية وإحساس بالمهانة .
4 ـ تدبر الأمور :
لا توجد مسألة أو مشكلة لا يمكن حلها من خلال التدبر ، والمطلوب هنا هو تحكيم العقل وإقصاء العاطفة جانباً والتأمل في المشكلة بكل موضوعية بعيداً عن الأنانية وسوء الظن ، وفي هكذا شروط سوف تظهر الحقيقة واضحة جلية .
5 ـ بناء النفس :
يتحول الفرد أحياناً ، بسبب خطأ أو انحراف أو حتى مجرد الإحساس بذلك ، إلى إنسان يسيء الظن خاصة عندما يجد تأييداً لدى الآخرين . إن الحياة الزوجية تتطلب من الإنسان أن يعتبر نفسه ناقصاً وبحاجة إلى التكامل . وهذا التصور يجنّب الإنسان الخطأ الناجم عن الشعور بصحة تصرفاته ، لأنه إذا ما شعر الإنسان بأنه غير كامل وأنه يعاني من نقص مستمر ، توقع احتمال الخطأ من نفسه ، وبالتالي يصون هذا الشعور الإنسان من العناد واللجاجة في الرأي ويدفعه إلى نشدان الحق والبحث عن الحقيقة .
.
6 ـ حسن النية :
من ضرورات الحياة المشتركة أن يتمتع الزوجان بحسن النية دائماً في مشاعرهما وممارساتها ، فإذا كان هناك خلل ما في توفر بعض مستلزمات الحياة في المنزل فيجب أن لا يفسّر هذا على أنه نوع من إلحاق الأذى ، وإذا حدث وضحك أحدهما في غير مناسبة فعلى الآخر أن لا يتصور بأنّها موجهة ضده .
إن الحياة الزوجية ، خاصة لدى الشباب ، تحتاج إلى حسن في النوايا وتعاضد في الأعمال ، وإلا فإن روحيهما ( أي الزوجين ) ستكونان نهباً للقلق ، وحياتهما عرضة للتزلزل .
7 ـ استعراض الحقائق معاً :
في الحياة المشتركة ينبغي أن يكون حصة العقل أوفر حظاً من حصة القلب ، حيث يمكن ، ومن خلال مناقشة بعض الحقائق معاً ، تلافي احتمالات الإخلال بالصفاء الزوجي ، ويتطلب هذا الأمر إصغاء الطرفين لبعضهما مع الأخذ بنظر الاعتبار بعض الضوابط الفكرية ، وإلا فإنهما سيضطران إلى اعتماد أساليب بعيدة عن المنطق في حديث لا يمتّ إلى أرض الواقع بصلة أو جذر ، مما يؤدي إلى توتر العلاقات في الحياة الزوجية .
8 ـ تقبل القيود :
إنكم لم تعودوا أطفالاً أحراراً كما كنتم بالأمس . إن الحياة الزوجية هي شكل من أشكال الحرية المقيدة والمشروطة ، يتقلبها الزوجان كأساس للحياة المشتركة ، وهي علاوة على كونها شرطاً في الحياة الزوجية فإنها تعمل على تهذيب الإنسان وتشذيب أخلاقه في المعاشرة والصحبة من خلال بعض الضوابط والقواعد التي تصبّ في النهاية في مصلحة الزوجين بما يعزز من أمن واستقرار الأسرة .
الفصل الرابع
الرغبات :
الحياة هي المحاولات والسعي المتواصل ومجموع الأحلام والطموح لتحقيق الأهداف .
يمر عهد الطفولة وتنقضي أيامه الزاخرة باللهو واللعب والخيالات الجميلة التي تنشأ من خلالها استعدادات الإنسان في المستقبل وتوجهاته . . ولكن البعض يتصرف في حياته وكأنه ذلك الطفل الذي يسعى من خلال خيالاته أن ينال القمر .
إننا لا نطرح خطاً صارماً للحياة ، إذ من الممكن الخروج هنا أو هناك عن المسير المعين للحياة ، ولكن المفروض هنا هو ذلك الجنوح في الخيال بعيداً ، لأنه يضاعف من أخطار السقوط .
الحياة المشتركة والرغبات :
ما أكثر الرغبات التي تقود إلى المصائد وتجعل طعم الحياة مراً ، وهذه المسألة تكاد تكون عامة تشمل كل نواحي الحياة إلا أنها تتجلى واضحة جلية في الحياة الزوجية .
إن الوقوع في أسر الرغبات وإتباع الشهوات واللهاث وراءها وتجاوز الحدود القانونية التي رسمها العقل والشرع من أجل سعادة الإنسان واستقراره ، إن تجاوز هذه الحدود سيتسبب في اضمحلال الحياة الزوجية وانهيارها .
وما أكثر الخلافات والحساسيات ، وبعبارة أكثر صراحة ما أكثر
.
الانحرافات التي تطبع حياة البعض من الرجال أو النساء والتي تؤدي إلى انهيار الحياة المشتركة عن حسن نية .
نعم ، نحن نؤمن بأن بعض المراحل من عمر الإنسان تقتضي التظاهر ومحاولة إلفات نظر الآخرين ، ولكن ـ وبعد أن يخطو الخطوة الأولى في دنيا الحياة المشتركة ـ عليهما الالتزام بالضوابط الإلهية وتوظيف هذه الموهبة الإلهية في دائرة الشرعية التي يحددها الدين .
مسألة الهدى :
أن تكون الحياة زاخرة بالأحلام الملوّنة والأماني الجميلة أمر لا يعترض عليه أحد ، ولا يدعي أحد كذلك بأن على الإنسان إذا ما وصل إلى سن البلوغ أن يقضي وقته بالعبادة والدعاء ، بالرغم من أن دائرة العبادة من وجهة نظر الإسلام تسع جميع الأنشطة الإنسانية التي تحظى برضا الله سبحانه ، حيث تعتبر بعض الأفعال كالأكل والنوم وحتى الممارسة الجنسية في حالات معينة عبادة يثاب عليها الإنسان .
إن ما يرفضه الدين هو الانقياد إلى الهوى وإتباع الشهوات والوقوع في أسر الرغبات . بعبارة أخرى سقوط الإرادة ووقوع الإنسان في أسر الأهواء النفسية .
فالذي لا يملك سلطاناً على عينيه ولسانه وأذنيه ، والذي لا يمكنه ضبط نفسه من الرغبات ، لا يمكنه أن يتمتع بشخصية متماسكة متينة ، وبالتالي يعرّض سمعته وطهارة ثوبه إلى الخطر .
الأخطار :
متعددة هي الأخطار التي تنجم عن الوقوع في أسر الشهوة والانقياد إلى الهوى .
1 ـ المعاشرة والانحراف :
تخضع المعاشرة من ناحية إسلامية لضوابط محددة ، فالإنسان المسلم
.
مقيد بحدود معينة تنظم علاقاته مع الآخرين ، فهناك مسألة المحارم مثلاً كأبرز ضابطة شرعية تنظم علاقات الرجل والمرأة ، إذ ليس من حقنا أن نمزح مع أي كان أو نجالس أيّا كان أو نتحدث مع من نشاء .
إن بعض النزاعات التي تعكر من صفو الحياة الزوجية إنما تنشأ بسبب إهمال هذه الضوابط ، إذ أننا نجد البعض ـ رجلاً أو امرأة ـ يقيم علاقات محرمة مع بعض الأفراد في نفس الوقت الذي يقوم فيه بتقطيع كل الأوامر مع زوجه ، ولا تستمر الحال هكذا إذ سرعان ما تتحطم حياة كل منهما وتذهب أدراج الريّاح .
2 ـ الاشتراك في الحرام :
عادة ما تقود الشهوات إلى الوقوع في الحرام ، وبالطبع تكون البداية حضور الحفلات المحرمة التي تلوّث الإنسان تدريجياً ثم سرعان ما يجد المرء نفسه في أحضان الرذيلة ، وبمرور الأيام يزيّن رفاق السوء له هذه الحياة فيفضّلها على حياة الزواج والجو العائلي ، وعندها يولّي ظهره لزوجته ولأبنائه ويتضاعف الخطر عندما يدمن ذلك الإنسان على القمار أو الشراب أو تعاطي المخدرات إذ لا يكون همّه سوى الحصول على المال عن أي طريق ، وعندها تتهاوى الأسرة وتتحول إلى مجرد أنقاض آدمية .
3 ـ التجمل والزينة :
يحث الإسلام على أن يتزين الزوجان لبعضهما ويظهرا بالمظهر اللائق ، وفي مقابل ذلك وضع الإسلام حدوداً لذلك تمنع من الإفراط الذي يقود إلى السقوط الأخلاقي ، وذلك عندما يتحول الرجل أو المرأة إلى العوبة أو دمية تقلّبها عيون الناظرين .
فالإسلام يمنع لباس الشهرة أو أن تتزين المرأة ثم تخرج من دارها . الإسلام يمنع المرأة من التبرج لغير زوجها أو أن تتعطر ثم تخطر في الشوارع ، كل هذا من أجل صيانة الإنسان أخلاقياً وحمايته من السقوط أو الوقوع في شباك الشبهات .
.
إن رعاية هذه الضوابط ضرورية في حياة المجتمع لكي يبدو أكثر طهراً أو صفاء . إن المهم في حياة الإنسان ليس جماله الظاهري بل نقاء الباطن وصفاؤه وسلامة الفكر والروح .
4 ـ حب حتى العبادة :
يعيش بعض الشباب هاجس الطفولة بالرغم من تخطيهم ذلك السن وعبورهم تلك المرحلة ، فهم ينشدون من أزواجهم ـ مثلاً ـ حباً عنيفاً يصل درجة العبادة ! وأي ( تقصير ) أو إهمال قليل في تلك ( الطقوس ) يجعلهم يشعرون بالمرارة والحزن والألم ، الذي سرعان ما يفجر حالة من العدوانية والتنازع .
وينبغي على من يعاني من هذه الحالة أن يخلو إلى نفسه قليلاً في محاولة لاستكشاف الباطن وتصفيته من تلك الميول اللامعقولة .
بواعث تلك الرغبات :
هناك من الأسباب والبواعث ما لا يمكن حصرها إلا أننا نذكر أهمها وهي كما يلي :
ـ غياب النضج الكافي واعتماد العواطف .
ـ انعدام التجارب الحياتية وغياب الرؤية الصحيحة .
ـ الإحساس بالرتابة المملة والرغبة في خوض تجربة جديدة .
ـ استمرار حالة الطفولة .
ـ اللامبالاة وعدم الالتفات إلى المسائل العميقة للحياة .
ـ تناسي الهدف من وراء الحياة .
وأخيراً الوقوع في أسر الحياة العابثة واللهاث وراءها .

الرغبات والحساسيات :
إن السقوط في أسر الأهواء له آثاره المدمرة التي تطال الزوج وشريك حياته .
.
إن أكثر الممارسات التي تنبعث عن الحساسية تضاعف من الآلام ، ذلك أن الرجال الذين يغارون على زوجاتهم ، وكذلك النساء الغيورات ، لا يمكنهم السكوت تجاه أزواجهم حتى لو اقتصر الأمر على مجرد ابتسامة لشخص ليس من المحارم .
ومن وجهة نظر شرعية فإن حدود علاقاتنا مع الآخرين واضحة تماماً ، وفي ما يخص الزي الذي نرتديه فمسألة قد يدخل العرف في تحديدها أيضاً في حدود يرسمها الشرع ايضاً ، وأن كل أمر يؤدي إلى إثارة الظنون أو الشبهات أو يعتبر مقدمة للإنحراف والسقوط هو حرام ، ذلك أن مقدمة الحرام حرام أيضاً ، كما تقرر ذلك القواعد الشرعية .
ضرورة مراجعة النفس :
ربما يغفر الله ما ارتكبناه من ذنوب في حياتنا الماضية شرط أن نعود إلى أنفسنا ونفكر فيما ينبغي أن نفعله مستقبلاً . إن العودة إلى النفس ضرورية لأسباب منها :
ـ تحقيق حالة من الطمأنينة من خلال السعي إلى التكامل الروحي .
ـ إن أبناءنا بحاجة ماسة إلى آباء وأمهات في مستوى المسؤولية .
ـ إن الأفراد في المجتمع الإنساني مسؤولون أمام بعضهم البعض ، كل حسب موقعه ، لتحقيق حالة من الاستقرار والسعادة .
إذن فنحن في حالة من الحركة ينبغي علينا خلالها الالتفات إلى أنفسنا والانتباه إلى ممارساتنا وأعمالنا والسعي الدائم لتجنب السلوكيات المنحرفة والضارة ، نصلح ما اعوجّ منها ونعتبر بما يواجهنا من خطر .
إن التهافت على الشهوات والرغبات سيمنعنا من الوصول إلى نبع السعادة ، ولذا فإن علينا أن نعزز من سلطة العقل ، وأن نحدد ما استطعنا من نفوذ العاطفة ، ذلك أن الحياة تحتاج في إدارتها العقل لا العواطف والأحاسيس .
.
المراقبة :
الزواج هو عهد المسؤولية وزمن الحساب ، فلقد ولّت حياة الضياع ، ودخل الزوجان عالماً جديداً ودنيا جديدة يتحمل فيها الطرفان الأعباء سوية ، ويتقاسمان فيها المسؤوليات كلّ حسب إمكاناته وقابلياته التي أودعها الله فيه .
ولذا فإن تواجدنا في المنزل في ساعة معينة لا يعتبر منقصة لنا ، وكذلك فإن خروج المرأة من المنزل ينبغي أن يتم بموافقة زوجها حفظا لها وصوناً لعفّتها وسمعتها . فالرجل يعتبر زوجته رمزاً لكرامته ، وهو المسؤول الأول عنها . لذا فقد ورد في الأحاديث إن الملائكة ما تزال تلعن المرأة التي تخرج دون إذن زوجها حتى تعود .
احترام الحقوق ورعايتها :
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : « أعظم الناس حقاً على المرأة زوجها » ، وقال ( صلى الله عليه و آله ) : « ما زال جبريل يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها » .
من بواعث النزاع في الحياة الزوجية هو انعدام تلك العلاقة الصميمية والمودة بين الزوجين ، في نفس الوقت الذي ينفتحان فيه على الآخرين بعلاقات غير صحيحة مما يؤثر سلباً في نفسيهما ويضاعف لديهما العقد .
التعفف :
تعتبر المحافظة على العفة واحدة من أنجع الوسائل والسبل في منع وقوع النزاع بين الزوجين . إن صيانة النفس عن الانحراف والوقوع في الحرام هو من خصال العفة وطهارة الثوب ، فالزينة والتجمل مطلوب على أن ينحصر ذلك بين الزوجين فقط .
الأُسرة و قضايا الزواج .. مركز الاشعاع الاسلامي http://www.islam4u.com.. صفحة (57)
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : « أيما امرأة استعطرت فمرّت على قوم ليجدوا منها ريحها هي زانية » .
ينبغي أن تكون العلاقة بين الزوجين علاقة صداقة وحب ، كما أن هدف كل منهما أن يكون صاحبه ملكاً خالصاً له لا يفكر بغيره ولا ينظر إلى سواه ، وفي هذه الحالة فإن التجمل والزينة والمعاشرة الحرة مع الآخرين سيلقي ـ شئنا أم أبينا ـ ظلاله السوداء في القلوب ويكون باعثاً على سوء الظن مما يؤدي بالتالي إلى إضعاف واضمحلال العلاقة الزوجية .
إن العفة والتعفف ، وإضافة إلى ما ذكرنا ، حصن حصين يحمي الإنسان من الوقوع في شباك الماكرين المنحرفين الذين لا همّ لهم سوى استغلال بعض الثغرات والولوج إلى حرم الحياة الزوجية وتلويثها ، وبالتالي تدميرها ، وعندها لا ينفع ندم النادمين .
التعاليم الإسلامية :
من مزايا الإسلام الحنيف أنه يعيش مع الإنسان جميع لحظاته وسكناته ، وهو كالبوصلة التي تشير دائماً إلى الاتجاه السليم ، حيث يبدأ عملها منذ اللحظة الأولى للقيام بعمل ما ـ أعني منذ انعقاد النية ـ ولذا نشاهد أن الإسلام ـ مثلاً ـ لا يجيز لنا القيام بعمل من شأنه أن يضعنا في موضع الشبهات ويثير سوء الظن حولنا .
وفي هذا المضمار تؤكد وصايا الإسلام اجتناب كل الأعمال التي تؤدي إلى تفجر النزاع في الحياة المشتركة وضياع كل الجهود في مهب الرياح .
علينا أن نفكر وأن نضع أنفسنا مكان أزواجنا عندما نريد القيام بعمل ما ، فإننا وإن تمكنا من استغفال أزواجنا في ذلك فإن الله سبحانه هو شاهد على جميع أعمالنا .
.
الفصل الخامس
عقدة التفوق :
يطمح كل إنسان إلى حد ما لأن يرى نفسه متفوقاً حتى لو استدعى الأمر أن يعيش في عالم الخيال الجميل ، ومن خلال ذلك يخامره شعور بالعظمة التي تبعث في نفسه الفرحة والأمل بالحياة .
ولكن ما يبعث على الأسف أن البعض من الناس يتجاوز الحد إلى فرض هذه الرؤية على الآخرين .
وفي استقرائنا للعلل والأسباب التي تؤدي إلى نشوب النزاع في بعض الأسر ، واجهنا بعض النماذج من الناس الذين يحاولون حتى في إطار الأسرة إثبات تفوقهم المستمر بطريقة أو بأخرى ، فهناك ـ مثلاً ـ التدليل بالثراء أو المستوى العلمي أو حتى بالمناصب والوجاهات لبعض أقاربهم وزجّهم في هذه المسألة لإثبات تفوّقهم أمام أزواجهم !.
وربما يصل الأمر حداً ، ومن خلال الإيحاء المستمر إلى شعور البعض بأنهم قد خسروا الكثير في زواجهم وأن شأنهم ومنزلتهم لا يتناسب والحياة مع هكذا أزواج . ولذا ، ومن خلال هذه التصورات ، يشعر بالحسرة على نفسه ، وفي أحسن الأحوال يتغير شعوره تجاه زوجته فإذا هو ينظر إليها على أنها مجرد سكرتيرة أو خادمة . وقد نرى هذه الحالة المرضيّة لدى المرأة أيضاً إذ تخلط في تعاملها مع زوجها كما لو كان خادماً لديها !.
الأزواج المعقّدون :
تنشأ هذه الحالة بسبب بعض العقد النفسية التي هي في واقعها وليدة
.
لمرض معين أو تربية خاطئة تسبب في تعكير صفو حياتهم وحياة الآخرين ، وهؤلاء لا يعيشون سوى تلك الهموم التي تجعلهم ينظرون بتشاؤم إلى الآخرين ، فهم يشعرون بالأسف لجهل الآخرين منزلتهم وبقاء شخصيتهم في الظل ، ولذا فهم يشعرون بالوحدة والشقاء الذي تتضاعف حدّته يوماً بعد آخر .
فهم لا يملّون الحديث عن إنجازاتهم وعن ذكائهم الخارق أو عن درجاتهم العلمية أو ثرائهم ، ويودّون أن يتحدث الناس عن مناقبهم لكي يرووا ظمأهم من الزهو بأنفسهم . وقد يصل الحد بهم إلى أن يذيقوا أزواجهم المرارة والعذاب مما يؤدي في النهاية إلى تقويض أركان الأسرة .
وفي التعامل الزوجي :
عادة ما يرى أولئك الأشخاص أنفسهم أكبر من حجمهم ، ولذا فهم يعرضون أنفسهم على أنهم أعلى منزلة من الآخرين ، وبمرور الزمن تتحول أفكارهم تلك إلى نوع من التكبر والغرور فيحاولون من خلال ذلك تحديد علاقاتهم وحصرها في « عالم الكبار » ـ إذا صح التعبير ـ فترى أحاديثهم « بالونية » الحجم والمحتوى . وإذا كانت لديهم إيجابية في صفة أو عمل فإنهم يضعونها تحت المجهر ويسهبون في الحديث عنها ويطنبون .
وقد يتعذر عليهم ذلك خارج الأسرة فيحاولون إفراغ هذه الشحنة وتعويض هذا النقص داخل أسرهم ، مع أزواجهم وأبنائهم ، ويتحدثون عن شأنهم وعلوّ منزلتهم ، فإذا لم يجدوا ما يتحدثون به عن أنفسهم فتحوا دفاتر الأقرباء يقرؤون ويشرحون ، وإذا تطلب الأمر بادروا إلى السحب من أرصدتهم « المصرفية » وتوقيع الصكوك تلو الصكوك .
وهذه الحالة من الزهو التي قد تنشأ في الأيام الأولى من الزواج في محاولة استعراضية ، تجد الزوجة فيها نوعاً من الحديث العذب ، تتسبب في إثارة الصداع لديها إذا ما تكررت وأصبحت عادة متجذرة ، وقد تفسّرها على أنها نوع من الإهانة الموجهة إليها وإلى كرامتها ليجرها بالتالي إلى البحث عن العيوب والمثالب في محاولة للرد بالمثل إذا صح التعبير .
.
البواعث :
ومن أجل البحث في بواعث هذه الحالة ومعرفة الأسباب التي تكمن وراءها في محاولة للحد منها أو التخفيف من آثارها على الطرف الآخر لا بد من الإشارة إلى ما يلي :
1 ـ الغرور الفارغ :
ربما تدفعنا بعض المجالات الخاصة إلى الإحساس بالغرور الفارغ ، فربما نحصل على ثروة من « إرث » الآباء أو الأجداد ، أو عن طريق آخر كالرشوة أو الاختلاس باسم الحق ثم نظن أن هذه الثروة تجعل لنا حقاً استثنائياً في استرقاق الآخرين ؛ أو نحصل على شهادة علمية ، ربما جاءت في بعض الأحيان عن طريق الغش أو ترديد بعض المعلومات المدرسية ، ثم نرتقي بسبب ذلك منصباً معيناً فنتصور الآخرين أقلّ فهماً وإدراكاً منا وأن عليهم أن يكونوا تابعين لنا في آرائنا وأفكارنا وخططنا دون أن نفكر بأن أزواجنا وأولادنا لا ذنب لهم لكي يكونوا ـ دائماً ـ عبيداً تابعين .
2 ـ حب السيطرة :
من العادات الخاطئة التي تترسب في نفوسنا منذ أيام الطفولة ، وقد ترافقنا إلى نهاية العمر ، هو الدلال الذي اعتدنا عليه في أيام الصغر ، والذي قد يصور لنا الآخرين مجرد خدم لا شغل لهم سوى تلبية طلباتنا .
ومما يزيد الطين بلّة هو استمرارها حتى بعد الزواج إذ نتصور الطرف الآخر خادماً لنا ينبغي عليه أن يلبّي كل ما نطلبه منه ، غافلين عن كونه إنساناً له كرامته وشخصيته التي تأبى عليه أن يكون عبداً لا أهمية له .
وهذه الظاهرة في حقيقتها مرض أخلاقي أو نفسي ينبغي علاجه ، لأن استمرارها ستكون له آثاره المدمرة ، خاصة في الحياة الزوجية .
3 ـ النرجسية والأنانية :
من دواعي الأسف أن الكثير منا ما يزال أسيراً لهوى نفسه يلهث وراء رغباتها ولا يرى شيئاً ولا أحداً سوى نفسه فقط .
.
وإذا كان لهذا المرض آثاره السلبية في الحياة الاجتماعية فإن له آثاراً مدمّرة في الحياة الزوجية لأنه يتناقض تماماً مع متطلبات الحياة المشتركة والاعتراف بحقوق ورؤى وآراء الطرف الآخر ، ولا يتوقف خطر ذلك على الزوج أو الزوجة بل يمتد ليشمل مصير الصغار أيضاً .
إن الأنانية والنرجسية تجعل الحياة ضيقة خانقة بالنسبة للأزواج الذين قد يتحملون ذلك لاعتبارات عديدة ولكن مع تحمل الآلام والمرارة إضافة إلى سقوط شخصية الأنانيين في نظر أزواجهم ونظر الجميع .
4 ـ الشعور بالنقص :
قد يكون التكبر نتيجة للشعور بالنقص ، وفي محاولة لتعويض ذلك يجنح الإنسان للسير في خيلاء مصعّراً خده للآخرين ، في حين يعاني في أعماقه خواءً وإحساساً بالحقارة .
ولعل للأزمات التي تعصف في حياة بعض الناس وعجزهم عن الدفاع والمقاومة دوراً في ظهور هذه العقد في نفوسهم ، وتؤدي بهم في النهاية ـ وفي محاولة التعويض عن هذا الإحساس ـ إلى الميل للتكبر والاستعلاء على الآخرين . وعادة ما يعاني المتكبرون من خواء نفسي وشعور بالمهانة يتحمل آلامها أولئك الذين يرتبطون معهم برباط الزواج ، إذ عليهم أن يتحملوا ألواناً من الممارسات المعقدة التي تشف عن تلك المشاعر المريضة .
أما أولئك الذين يتمعتون بغنىً روحي فعادة ما يكونون على جانب كبير من اللياقة التي تؤهلهم لإدارة أنفسهم وجلب احترام الآخرين لهم .
تقييم الذات :
القليل من الناس من يعرف قدر نفسه ويتصرف على ضوء ذلك ، بينما يخطىء الكثير في تقييم ذواتهم أو يرونها بغير حجمها الطبيعي ، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور عقدة الغرور .
وفي الحياة الزوجية تتجلى ضرورة الرؤية السليمة للطرفين لنفسيهما
.
ولكل منهما ؛ والأساس في ذلك أن تستند تلك الرؤية إلى الاحترام الكامل للطرف الآخر على أساس إنسانية الإنسان .
ولا مجال هنا لأي محاولة أو سعي لإثبات خطر التفوق والشعور بالاستعلاء الذي يهدد سلامة الحياة الزوجية .
إن حلاوة الحياة المشتركة هي في تلك الألفة والمودة التي تربط الطرفين بوشائج متينة حيث تذوب جميع الفروقات بينهما في اتحاد فريد . وعندما يبدأ الزوجان في المقارنة بينهما عندها تقرأ الفاتحة عليهما وعلى حياتهما معاً .
ومن الخطأ الجسيم أن يحاول المرء توظيف موقعه ـ مهما بلغ من العلو ـ في علاقاته مع زوجه وشريك حياته ، أو يسعى إلى تحقير الطرف الآخر الذي يجد نفسه مضطراً للبحث عن عيوبه وبثّها هنا وهناك .
ضرورة التغيير :
إن مصلحة الحياة الزوجية تتطلب من الزوجين البحث عن السبل التي تؤدي إلى الاتحاد بينهما والتضامن بروح المحبة . ينبغي عليهما أن يلاحظا ذلك في أحاديثهما ، وفي طريقة تفكيرهما ومواقفهما . ينبغي أن يكون سلوكهما باعثاً على الأمل في الحياة والمستقبل .
أية لذة يجنيها الزوج الذي يحوّل زوجه إلى إنسانة تشعر بالحقارة والمهانة والصغار من أجل أن يروي ظمأه وتعطّشه للتفوق والاستعلاء ؟! وأي مجد سيحصل عليه إذا جعل من زوجه بوقاً يسبح بحمده وثنائه ليل نهار ؟!.
نعم إن الرجل سيد الأسرة ، ولكن عليه أن يعي مسؤوليته جيداً في إدارة الأسرة كهمّ كبير ، لا كمنصب يستعدي التفاخر والاعتداء ..
إن أدبياتنا كمسلمين تدعونا ـ ومن أجل إسعاد الآخرين ـ إلى أن ننأى بأنفسنا عن كل أشكال الأنانية ، والعمل بكل ما من شأنه أن يفيد المجتمع ويجعل الحياة فيه بسيطة وجميلة .
.
طريق الحياة المشتركة :
أن يتجمل الزوجان لبعضهما أمر حسن ولا يحتاج إلى بحث أو نقاش ، وأن يكون أحدهما في نظر الآخر عزيزاً غالياً ـ هو الآخر ـ لا غبار عليه . ومن وجهة نظر الإسلام كنظام اجتماعي يحث المرء بعد الارتباط بالزواج أن ينظر إلى شريكه في الحياة على أنه المعشوق الوحيد في هذا العالم .
على أن هذا لا يستدعي التمثيل والتظاهر بل ينبغي أن تكون العلاقات صميمية يسودها الصفاء والسلام . ينبغي أن يكون هناك تعاون في كل شؤون الحياة .. أن تكون هناك مشاركة مخلصة بين الزوجين وتقاسم للحياة بكل حلاوتها ومرارتها .
لقد منح الله الإنسان العديد من النعم التي لا يمكنه إحصاؤها فضلاً عن استقصائها ولا يليق بالإنسان ـ كإنسان ـ أن يوظف تلك الهبات والمزايا في طريق الآثام ، ناهيك عن الأضرار الجسيمة التي تؤدي إلى تدمير حياته .
اجتناب المعاملة الفظة :
وأخيراً ؛ يوصي الإسلام الزوجين بتعزيز الألفة والمحبة بينهما وأن لا يتوقف الزوجان عند مسألة الذوق ـ مثلاً ـ أو الرؤية بل يسعيان ما أمكنهما ذلك إلى توحيد ذوقهما وطريقة تفكيرهما بعيداً عن روح التفوق والسيطرة التي تتناقض مع الحب والمودة .. ينبغي أن يكون البيت الزوجي عشاً دافئاً زاخراً بالمحبة والحنان لا معسكراً تدوّي فيه صرخات الأوامر التي لا تقبل النقاش .
إن الإحساس بالغرور ، والفظاظة في التعامل يحول الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق ، ولذا فإن طريق الحياة المشتركة يحتاج إلى اعتدال وتحمل وتسامح . وإذا كان هناك تفوّق في شأن يمتاز به أحد الزوجين على الآخر فإن هذا يستدعي الشكر الله والثناء عليه لا أن يكون سلطة يستخدمها لقمع زوجه وشريك حياته .
.
الفصل السادس
تعيين الحدود :
الحرية من نعم الله الكبرى التي تنشدها الإنسانية في تاريخها الطويل .. الحرية هي تلك الكلمة التي تطفح بالمعاني الجميلة والأحلام ، وتلك الأمنية التي من أجلها تثور الشعوب وتقدم ـ من أجل تحقيقها ـ الغالي والنفيس .
للحرية جذورها في أعماق الإنسان بل وحتى الحيوان ، فالطائر السجين في القفص يضرب بجناحيه القضبان هنا وهناك بحثاً عن نافذة أو كوة يمكنه من خلالها الخلاص من الأسر والعودة إلى دنيا الحرية . وما أكثر الطيور التي ماتت في أقفاصها حزناً وكمداً .
أما الإنسان فهو أكثر تعلقاً بالحرية وتشبّثاً بها من كل المخلوقات ، فهو دائم السعي للحفاظ عليها وصيانتها ، حتى إذا شاهد يوماً عائقاً يقف في طريقه حاول إزالته وإزاحته جانباً لكي يستأنف تقدمه نحو الهدف المنشود .
الحياة العائلية والحدود :
لا ريب في أن يتزوج ويدخل عالم الحياة المشتركة مع إنسان آخر ، هو بحد ذاته نوع من التقيّد ببعض الحدود والضوابط التي تستدعي منه مراعاتها . وعليه يفقد المرء جزءاً من حريته لصالح الطرف الآخر الذي يشاركه حياته ؛ وإذن فإن حرية المتزوج تنتهي عندما يبدأ حق الآخرين ، فهناك ما يقيدها ويجعلها في إطار محدود خدمة للصالح العام ـ إذا صح
.
التعبير ـ ذلك أن الأسرة ، وإن بدت كمجتمع صغير ، إلا أنها تحمل كل مقومات المجتمع الكبير .
فلو أن كان عضو في الأسرة يعمل ويتحرك في ضوء أهوائه وأذواقه دون أن يأخذ بنظر الاعتبار « الآخرين » في ذلك ، ستعمّ الفوضى وسيطغى الاضطراب ، وبالتالي ستتفكك الأسرة .
وإذن فإن هناك حداً للحريات والطموحات الشخصية التي ينبغي أن تنتهي عندما تصطدم ومصلحة الأسرة والحياة المشتركة . وقد تكون المرأة معنيّة أكثر بهذا الموضوع باعتبار أن الرجل أكثر ميلاً للاستمتاع بالحرية وقد يشعر بالغضب عندما يرى أن حريته تتعرض للقيود ، وفي هذه الحالة على المرأة اتخاذ أسلوب مناسب يعتمد المداراة والتخفيف من حدة بعض الالتزامات ريثما تتوفر الأرضية المناسبة ، وفي غير هذه الصورة سوف يجنح الرجل إلى الاستبداد في رأيه وربما النزاع . وفي هذه المناسبة ينبغي أن نذكر الرجل أيضاً بأن زمن الحرية المطلقة قد انتهى وأن الزواج بداية لعهد من المسؤوليات التي تتطلب منه غض النظر عن كثير من الأمور والحريات .
على هامش الحدود :
من أجل الإشارة إلى مدى نطاق هذه الحدود يمكن إدراج ما يلي :
1 ـ تنظيم الحضور :
وهذه من أبرز المسائل وأكثرها حساسية ، وينبغي للزوجين الاتفاق عليها بعد أن اختارا الحياة سوية في بيت واحد وتحت سقف مشترك ، ولذا فإن على الرجل أن ينظم وقته بحيث يكون له حضور في المنزل إلى جانب زوجته وأولاده بمعدل يقترب من نصف ساعات اليوم ، ذلك أن المرأة ترغب في تواجد زوجها مثلما يرغب الرجل في حضور زوجته وتواجدها داخل البيت .
ومن الخطأ أن يبعثر الزوجان وقتيهما خارج المنزل هنا وهناك دون أن يفكرا بمسؤولياتهما تجاه الأسرة . وخلاصة المسألة أنه ينبغي على الزوجين
.
تنظيم وقتيهما دون حساسية أو انزعاج من سؤال أو استفسار ؛ وفي المقابل إذا ما حدث وخرق أحد الطرفين عادته في عودته فلا ينبغي أن يكون هذا مثاراً للجدل أو النزاع .
2 ـ المعاشرة :
المرأة والرجل أحرار في التعبير عن آرائهما في الحياة المشتركة وأسسها وما يتعلق بها ، غير أننا نجد ـ ومع الأسف ـ ممارسات قمعية لدى أحدهما تقذف الرعب في قلب الآخر وتمنعه من أبداء رأيه في شؤون الأسرة . فقد نجد لدى أحد الطرفين رغبة في الحديث عن شأن ما تمنع من ظهورها الخشية من حدوث نزاع ، أو يود أحدهما لو أبدى رأيه في مسألة من المسائل ولكنه يخاف أن يكون عرضة للسخرية فيجنح إلى الصمت المطبق ، محتفظاً بآرائه لنفسه يعالج همه في أعماقه دون أن يفصح عن أسرار ألمه إلى أحد .
3 ـ التقيد في الإجراءات :
قد نرى التقيد في بعض الأحيان في إجراء يتخذه الأب ـ مثلاً ـ لتأديب ابنه عندما يرتكب خطأً يستحق العقوبة ، وفي هذه اللحظة بالذات تظهر الأم كحاجز يوقف تنفيذ الإجراءات مما يؤدي إلى النزاع والمواجهة .
قد يتخذ بعض الآباء إجراءات غاية في القسوة ربما تعرض إلى مخاطر كبرى ، وفي هذه الحالة على الأم أن تتدخل لمنع إجراء كهذا .
إن التدخل من قبل أحد الطرفين في شؤون وأعمال الطرف الآخر خطأ كبير يقود إلى النزاع ، وعوضاً عن هذا الأسلوب الصدامي ينبغي على الزوجين أن يفكرا بوسيلة مناسبة في تقديم النصح اللازم تحفظ للطرفين جميع الحقوق والاعتبارات .
4 ـ في الميزانية :
ربما يقتضي الجانب الاقتصادي في حياة الأسرة أن يبسط الرجل في الإنفاق وأن تكف المرأة يدها في الاستهلاك . إن الكرم والسخاء في حياة
.
الرجل صفة طيبة ومحمودة ، ولذا فعليه أن يوسّع في الإنفاق على عياله وأسرته ، وأن لا يقصر في ذلك ما أمكنه ، وعلى المرأة أن تدير شؤون منزلها حسب الإمكانات المتوفرة وأن لا تتخطى الحد المعقول في ذلك .
إن البخل في حياة الرجل خصلة مذمومة كما الإتلاف في حياة المرأة . إننا ـ ومع الأسف ـ نجد بعض الرجال الذين وهبهم الله من نعمه ولكنهم يبخلون على أهليهم وأنفسهم ويكدّسون الأموال فوق بعضها تحسّباً لفقر محتمل ، في حين يعيش أهلهم وأبنائهم في فقر مدقع صنعوه بأنفسهم !.
5 ـ الطمأنينة وراحة البال :
نجد في بعض الحالات نزاعاً ينشب في الأسرة بسبب شعور أحد الطرفين بالتهديد المستمر من قبل الطرف الآخر ، فمثلاً نجد زوجاً يقضي جل نهاره في العمل والكدح خارج المنزل ثم يضيف إلى ذلك أعمالاً أخرى إضافية من أجل تأمين دخل يغطي مصروفات عياله ، وعندما يعود إلى المنزل من أجل التقاط أنفاسه إذا به يواجه امرأة ناكرة للجميل تحول ساعة إستراحة إلى جحيم لا يطاق .
أو بالعكس ، حيث تجد امرأة تنهض للعمل في المنزل مع خيوط الفجر تدير شؤون بيتها وترعى صغارها وتغسل الثياب وتطهو الطعام ، وعندما يحل المساء وتحاول أن تستريح إذا بالرجل يصرخ في وجهها : لماذا لم تغسلي الثوب الفلاني ؟ أو تطوي القميص العلاني ؟ لماذا طعامك مالح ؟ أو عديم المذاق ؟ غافلاً عن أن زوجته لم تفعل ذلك عمداً أو لم تجد الوقت الكافي لكي تطوي له ثيابه ـ مثلاً ـ .
إن محاولات كهذه وإن بدت بواعثها صغيرة وتافهة إلا أنها تهدد الكيان الأسري بالخطر .
6 ـ طرح الأسئلة :
تنشب النزاعات في بعض الأحيان إثر إلحاح في الأسئلة التي يطرحها
.
أحد الطرفين ، وبصورة غالبة الرجل حتى يتحول الأمر في بعض المرات إلى محضر تحقيقي ، تحسّ فيه المرأة بشكل أو بآخر بأنها نابعة من سوء ظن أو شك ، وعندما تعتقد المرأة ببراءتها فإنها تشعر بالمرارة لذلك . وقد تتراكم تلك المرارات في أعماقها وتتفاقم ، وعندما تجد فرصة مناسبة تتفجر عن نزاع رهيب يهدد الأسرة بالدمار .
وعادة ما تثير الأسئلة المكررة نوعاً من الحساسية وتزرع في النفس نوعاً من سوء الظن حتى لو كانت نابعة عن حسن ظن ، ولذا فعلى الرجل أن يلتفت إلى هذا الجانب في حياة المرأة لأن صفاء البيت في الواقع يعتمد على صفائها ، وعندما يتعكر مزاجها فإن صفاء الأسرة برمّته يتعرض للخطر .
الأسباب :
ومحاولة للإشارة إلى بواعث تلك القيود يمكن الإشارة إلى ما يلي :
1 ـ الجهل :
قد تتصور المرأة أن عمل زوجها خارج المنزل هو ضرب من ضروب التسلية والمتعة ، غافلة عن مصاعب عمل زوجها والإرهاق الذي قد يشعر به ، وفي مقابل ذلك يتصور الرجل أن زوجته ناعمة البال في مأمن من هجمات البرد وضربات الحر ، وأن المنزل مجرد مكان للإستراحة والاسترخاء .
ولو اطلع كل منهما على معاناة صاحبه لتصححت رؤيتهما ولارتفع رصيد كل منهما لدى الطرف الآخر ، ولارتفعت الكثير من القيود التي يحاول كل منهما فرضها على الآخر .
2 ـ سوء الظن :
قد تبرز القيود في بعض الأحيان بسبب سوء الظن الذي قد ينجم عن الخيال أو سوابق الماضي . ومن الضروري للزوجين أن يجعلا أنفسهما محلاً للشبهات ، إذ أن من السهل جداً أن يتهم الإنسان بشيء ما ولكن من الصعب إزالة آثار هذا الاتهام . وإذن ينبغي أن تكون المعاشرة والممارسات بعد
.
الزواج بشكل لا يستثير الظنون والشكوك وذلك صوناً للسعادة الزوجية وحفاظاً على البناء الأسري .
3 ـ إيحاءات الآخرين :
ربما تنشأ القيود والحدود نتيجة لإيحاءات الآخرين الخاطئة انطلاقاً من نوايا مغرضة وحتى بسبب الجهل ؛ فقد نشاهد ـ ومع الأسف ـ بعض الأفراد الذين يحاولون مغرضين تقويض بناء أسر تعيش في حالة من الصفاء والمودة ، ومما يزيد الطين بلّة بساطة بعض الأزواج وسرعتهم في التأثر بتلك الإيحاءات مما يؤدي إلى تزلزل الحياة العائلية ونشوب حالة النزاع . وفي هذه الحالة ينبغي على الزوجين المنع والتصدي لمثل هكذا محاولات خبيثة وتفويت الفرصة على هؤلاء في إثارة الفتن والمشكلات .
4 ـ النرجسية :
وأحياناً نشاهد بعض الذين لا يرون سوى أنفسهم ولا يقيمون للآخرين أي حساب ، إنطلاقاً من اعتبار أنفسهم في مستوى يفوق الآخرين في كل شيء ، ولذا فهم يرون من حقهم الإمساك بزمام الآخرين من أعضاء الأسرة وقيادتهم ، بالرغم من أن بعضهم إنما يفعل ذلك بنوايا حسنة باعتبارهم يفوقون الباقين في مستوى تفكيرهم ومعرفتهم ، ولذا فمن حقهم فرض رؤيته على الآخرين .
5 ـ غياب الحب :
وأخيراً يقف غياب الحب كسبب وراء بعض القيود والضغوط التي يمارسها أحد الزوجين من أجل إجبار الطرف الآخر على الفرار وإخلاء الساحة ، ولذا يوجه أحدهما أسلحته بكلمة جارحة بإهانة مقصودة أو بفرض بعض الحدود لحمل الطرف الآخر على التفكير بالانسحاب والفرار .
ونحن هنا لا نتهم الرجل أو المرأة بذلك ، فقد يكون ذلك رغبة من الرجل في التخلص من زوجته أو ميلاً من المرأة للخلاص من زوجها ، وكل هذا إنما ينبعث من عدم الإحساس بالمسؤولية وعدم إدراك الواجب
.
الملقى على عاتق الزوجين إزاء حياتهما المشتركة .
إن الحياة الزوجية تتطلب من كلا الطرفين تجاوز بعض المسائل من قبيل الحرية ، الأنانية ، التكبر والإعجاب بالنفس لكي يتسنى لهما الحياة في ظلال من المحبة والسلام .
ضرورة استمرار الحياة الزوجية :
ينبغي أن نذكّر البعض من الرجال أو النساء ممن يهدفون ـ ومن خلال التنازع مع أزواجهم وفرض القيود عليهم ـ إلى العيش بسلام في منازلهم أو منازل أخرى بأن المستقبل مجهول تماماً ولا يمكن التنبؤ به أبداً .
وأيضاً نذكّر بعض الأزواج الشباب الذين يحاولون ـ ومن خلال التهديد المستمر واستخدام القوة ـ انتزاع حماية الطرف الآخر لهم ، بالحقيقة التي تفرض نفسها بقوة وهي أن العنف لا يمكن أن يولّد الحب .. الحب الذي ينهض على أساسه البناء الأسري والعائلي .
إن الحياة الزوجية تستلزم شكلاً من أشكال التضحية والإيثار والحب وأن يتجاوز الطرفان عن بعض رغباتهما وأهوائهما من أجل الآخر ، لكي يمكن الحصول على دعمه وتضامنه وولائه .
.
الفصل السابع
تحمّل الآخر :
من أجل تشكيل الأسرة ينبغي البدء بحياء الألفة ، حيث يعتبر الزوجان أنفسهما مسؤولين عن بعضهما ، وعليه ينبغي أن يتحمل أحدهما الآخر ويصبر عليه ، لكننا ـ ومع الأسف الشديد ـ نجد البعض ـ وبسبب التحريضات أو ضغوط العمل والحياة ـ يفتقد هذا الجانب في حياته ، فلا يعود يتحمل صاحبه وشريك حياته ، ويثور من أجل سبب تافه مما يعرّض الحياة المشتركة للزوجين إلى الخطر .
وفي هذا الفصل سوف نتعرض إلى البحث في جذور هذه المسألة والإشارة إلى الأسباب التي تقف وراء عدم تحمل الأزواج من الشباب لأخلاق بعضهم البعض انطلاقاً من أن معرفة الداء يساهم في اكتشاف الدواء إلى حد ما .
صور متعددة :
تزخر الحياة بصور متعددة من السلوك والممارسات والمواقف ، ويمكن القول إن لكل إنسان طريقة عمل وسلوك معين ، وفي عالم الحياة الزوجية يتصرف بعض الأزواج كما لو كانوا سادة يصدّرون الأوامر إلى عبيدهم ، وما على شركاء حياتهم إلا الطاعة والتسليم .
فقد نرى زوجاً يتصرف مع زوجته ويعاملها كما لو كانت خادمة أو جارية لا حظّ لها بشيء سوى الطاعة ، يثور من أجل كل شيء وبسبب أي شيء .. لماذا لم تقومي بالعمل الفلاني .. ولماذا الطعام الفلاني غير
.
جاهز .. لماذا ولماذا ؟؟ غافلاً عن أن الزوجة ومن وجهة نظر شرعية وقانونية ليس مكلّفة أبداً بالقيام بهذه المهمات ، وأن تعهدها بذلك هو عمل إنساني نبيل تستحق من أجله التقدير والإجلال والثناء .
وفي مقابل ذلك نرى نساءً يعاملن أزواجهن كما لو كانوا عبيداً أذلاء يتحركون كما تتحرك بيارق الشطرنج وفق حساب معين أو أمر معين أو نهي محدد ، فإن كان الزوج فقيراً ذكّرته بذلك مراراً وتكراراً وأشارت إلى ثرائها وغناها ومنّت بالحياة معه .
إن مثل هكذا ممارسات لا تتفق مع حقيقة الإنسانية وأصول وأسس الحياة المشتركة التي يدلّ اسمها على الاشتراك في كل شيء .
سوء الخلق :
إن سوء الخلق والفظاظة في التعامل وعدم تحمل الآخرين يقف وراء الكثير من المشاكل والنزاعات التي تعصف بالحياة الأسرية ، بل يمكن القول بأنها نار مجنونة تلتهم الأخضر واليابس وتحوله إلى هشيم تذروه الرياح .
لقد أثبتت الدراسات إن سوء الخلق والإساءة في التعامل وعدم التحمل يؤدي إلى الشيخوخة حيث يغزوه الشيب قبل وقته ، كما أثبتت البحوث أيضاً أن أكثر أمراض القلب وأمراض العصبية إنما تنشأ بسبب النزاعات وعدم التحمل ، خاصة لدى الأزواج المغامرين ، إضافة إلى أن الحياة تفقد معناها إذا تحولت إلى جحيم مستعرة بسبب هذه الأخلاق .
إن الأجواء المتشنجة والمتوترة التي يصنعها التعامل الفظ ، والأساليب القمعية في الأسرة تعرض الأطفال إلى خطر كبير ، حيث تتأثر نفوسهم الغضة ويصيبهم الدمار الذي لا يمكن إصلاحه ، كما يفقدهم الشعور بالطمأنينة التي هي أكبر حاجة لتنشئة الطفل نشأة سليمة ؛ هذا إذا لم يحدث الانفصال الذي يعرّض الأطفال إلى أخطار حقيقية مدمّرة ، وقد يسلمهم إلى الضياع والشوارع والليل .
.
البواعث :
للبحث في الأسباب التي تكمن وراء ما ذكرنا يمكن الإشارة إلى ما يلي :
1 ـ غياب التفاهم :
إن غياب التفاهم بين الزوجين وعدم إدراكهما الضوابط التي ينبغي مراعاتها في التعامل يؤدي إلى ظهور المشاكل العديدة ونشوء النزاع ، ذلك أن التفاهم هو الذي يهيء الأرضية اللازمة للبحث في الكثير من الأمور ذات الاهتمام المشترك . وتعدد أسباب عدم التفاهم والانسجام ، فمنها ما يعود إلى الاختلاف الفاحش في السن والتجربة والخبرة في الحياة ، ومنها ما يعود إلى اختلاف الأذواق بشكل يؤدي إلى التصادم العنيف . ومما يبعث على الأسف أن الزوجين ـ وبعد مضي شهور عديدة أو سنوات على حياتهما المشتركة ـ قد أخفقا في إدراك بعضهما البعض بشكل يمكن فيه تلافي الكثير من المشكل ببعض التحمل والمداراة .
2 ـ الفوضى في الحياة :
هناك الكثير من الأفراد ممن يهتمون بالنظام إلى حد يتحول فيه ذلك إلى هاجسهم الوحيد ، فأقل إخلال يدفعهم إلى الثورة والعصبية .
وفي مثل هكذا حالة ماذا يمكن أن يحدث لو عاد الرجل ـ مثلاً ـ إلى منزله وهو يتصور أن كل شيء على ما يرام ، وإذا به يرى الفوضى تعمّ كل شيء فلا يجد حتى مكاناً يستبدل فيه ثيابه .
ربما يعتبر البعض أن الأمر ليس بهذه الخطورة ولكن الحقيقة تقول عكس ذلك . إن ذلك يبعث المرارة في قلب الرجل ، بل ويهيء ظروف تفجر نزاع لا تحمد عقباه .
3 ـ الإجهاد في العمل :
ما أكثر الأشخاص الذين نراهم يثورون لأتفه الأسباب . وعندما نحاول البحث عن العلة في ذلك نجد أن العمل المتواصل والإرهاق قد أضعف
.
أعصابهم وأفقدهم القدرة على التحمل ، فإذا بهم يهاجمون أزواجهم بشراسة ودون رحمة دون سبب وجيه ولو في الظاهر .
وقد نرى هذه الظاهرة حتى لدى النساء من اللواتي يصل عملهن داخل المنزل حداً وسواسياً رهيباً يجعلهن في النهاية جنائز ـ إذا صح التعبير ـ حيث يفقدن القدرة على التعامل مع أزواجهن بلباقة وأدب .
إننا نوصي الأزواج ـ نساء ورجالاً ـ في اتخاذ جانب الاعتدال في العمل والحفاظ على الحدود التي تكفل التوازن المنشود .
4 ـ الاضطراب الفكري :
قد نجد أفراداً يعانون من اضطرابات فكرية ومن تشوش ذهني تعصف في رؤوسهم عشرات المسائل والمشاكل والهموم .
إن هذه المشاكل وما يتبعها من وسوسة فكرية تجعلهم سريعي الإثارة قليلي التحمل شديدي العناد ، ولذا فإنهم ينفجرون لأقلّ اصطدام مما يدفعهم إلى إفراغ ما في أعماقهم من ثورة وغضب .
5 ـ عوامل خارجية :
قد ينشأ النزاع في الأسرة بسبب عوامل خارجية ، فمثلاً يعمل الزوج في مكان ما ثم يحصل له نزاع مع زملائه في العمل مما يخلّف في نفسه شعوراً بالمرارة يدفعه إلى إفراغ غضبه في محيط أسرته لسبب أو غير سبب .
أو نجد إحدى السيدات تتطلع إلى حياة جارتها المرفهة فلا تملك نفسها ، حيث تتولد في أعماقها الحسرة التي تعبر عن نفسها أحيانا بالتشكي والبكاء .
ولعل الشباب يدركون مدى وضاعة مثل هذه التصرفات عندما يواجه أحدهم مشكلة في الخارج فينطوي على نفسه ، فإذا عاد إلى منزله يحاول إفراغ همّه وصبّ غضبه على أفراد لا ذنب لهم في ذلك .
6 ـ عدم التحمل :
قد يفقد المرء صبره أمام أسئلة توجهها زوجته إليه فيثور في وجهها . قد تكون تلك الأسئلة بريئة ولكنه ينزعج منها ويصرخ : لماذا لا تكفي عني .. دعيني وشأني .
وقد تنجم المشاكل بسبب نوايا حسنة تماماً ، مثلاً ينتظر الزوج طعاماً ولكن الزوجة ، ومن أجل إعداد طعام لذيذ ، تتأخر قليلاً ، عندها يثور الزوج فيقيم الدنيا ولا يقعدها . وربما يكون المرض علة وراء عدم التحمل أيضاً ، حيث تتأمل الزوجة في ملامح زوجها وتتساءل خائفة : لماذا وجهك مصفّر .. أو لماذا تبدو هكذا ؟ فيتأفّف الزوج ثم سرعان ما يثور معبّراً عن استيائه وغضبه من تلك الأسئلة التافهة .
7 ـ انعدام التوازن النفسي :
نصادف بعض الأحيان أزواجاً يفقدون التوازن النفسي ، الأمر الذي يجعلهم مهزومين نفسياً ، كما أن بعضهم يعاني من إحساس بالصغار والذلة ، ولذا فهم يفرغون عقدهم تلك في محيط أسرهم ، فترى أزواجهم وأولادهم يعانون الأمرّين في ذلك ، وقد يعاني بعضهم من هوس نفسي يفقدهم حالة الاستقرار الروحي المطلوب فيصبون غضبهم على هذا وذاك ، كما نجد البعض مصاباً بنوع من الساديّة حيث يتلذذ بتعذيب الآخرين من خلال السخرية بهم ، فإذا لم يمكنهم ذلك مع الناس أفرغوا عقدهم تلك داخل البيت على أسرهم .
ولا شك أن ما ذكرناه هو حالات مرضيّة تستدعي العلاج ، غير أن المشكلة تكمن في أن أولئك لا يدركون أنهم يعانون من حالة مرضية ، وإلى أن يفهموا ذلك يكون الوقت قد فات .
8 ـ غياب المداراة :
وأخيراً : فإن عدم اعتماد المداراة في التعامل واحترام مشاعر الآخرين يؤدي إلى نشوب الكثير من المنازعات التي يمكن تجنّبها بشيء من اللباقة .
.
الصراحة صفة حميدة إذا لم تخرج عن دائرة الخلق والأدب ، كما ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار الطرف المقابل وقدرته على التحمل .
يقوم بعض الأزواج ـ ومع الأسف ، وحيث لم تمر بعد إلاّ أيام معدودة على زواجه ـ بمصارحة زوجه بعيوبه ، الأمر الذي يجعل الطرف الآخر عرضة لتلقّي الطعنات ، فينطوي على نفسه حزيناً يتحيّن الفرصة للإنتقام في المستقبل .
أيّة صراحة هذه التي تؤدي إلى اشتعال النار لتحرق البيت ومن فيه ؟! وأية صراحة هذه إذا كانت تفعل في نفس الإنسان فعل الخنجر المسموم ؟!.
إن الحياة الزوجية تتطلب دقّة في الحديث وحذراً في التعامل ، وإذا كانت الصراحة تؤدي إلى ظهور آثار مدمرة فينبغي إقصاؤها بعيداً ، فهناك من الأساليب ما يغني عن ذلك ويؤدي إلى أطيب النتائج .
وفي كل ما ورد من أسباب يتحمل الرجل والمرأة مسؤوليتهما تجاه ذلك على حدٍّ سواء ، قد يتحمل الرجل في بعض الأحيان مسؤولية كاملة تجاه ما ينشب من نزاع وقد تتحمل المرأة المسؤولية كاملة ، ولكن في أغلب الأحيان يشارك الاثنان في صنع المأساة التي تشملهما معاً فيما بعد .
وفي كل ما ذكرناه يكمن غياب العقل كسبب مباشر في تلك النزاعات التي تعصف بالحياة الزوجية .
ففي بحث جميع تلك المشاكل يستلزم الزوجان فقط قدراً من التعقل لتنقشع جميع السحب من سماء الأسرة .
ضرورة ضبط النفس :
من الخطأ أن يقدم المرء على رد فعل عنيف تجاه ما يصدر عن زوجه من عمل خاطىء . إن المواقف المتشددة وردود الفعل المتشنجة تخلق في البيت حالة من التوتر الذي قد يفجّر الوضع في كل لحظة .
ولذا فمن الضروري جداً ضبط النفس ومراعاة حالة الزوجة ومحاولة
.
التعرف على السبب الكامن وراء ذلك العمل الخاطىء . إننا إذ نخاطب الرجل في ذلك لعلمنا جميعاً بأنه أقل عاطفية من المرأة .
وقد ورد في الروايات أن من يتحمل أذى زوجته لا يطلب في ذلك إلا مرضاة الله وهبه الله ثواب الشاكرين .
إن التحمل والتسامح مفتاح الكثير من المشاكل وجانب مهم في حياة الإنسان وقدرته على الإرادة .
السعي الدائم للتفاهم :
من الممكن جداً أن يعيش الزوجان حالة من المودة والصفاء إذا قرّرا ذلك .. فإرادتهما للتفاهم والسعي الدائم للتقارب الأخلاقي والروحي ومحاولة التركيز على النقاط الإيجابية المشتركة يمكّنهما من خلق الأرضية المناسبة لبناء علاقة وطيدة .
إن الرقّة في الحديث المتبادل وتركيز الزوجين على بعض النقاط وتسليط الضوء عليها على أساس أنها السبب في انتخاب بعضهما البعض يشجع الطرفين على التقارب أكثر فأكثر ، وتذويب الجليد الذي قد يقف حائلاً بينهما .
فقد تكون زوجتك عصبية المزاح ـ مثلاً ـ وفي هذه الحالة ومن خلال تحمّلك الإمساك بزمام الأمور دون حدوث مشكلة ما ، هذا إذا قررت العيش معها . فالإرادة دائماً وكما يقول المثل تصنع الوسيلة .
إن تعاطفك مع زوجتك وهي تمر في أزمة نفسية حادة يجعلها عصبية عنيفة سوف يخفف من حدتها ويهدأها شيئاً فشيئاً .
التأثير الأخلاقي :
من الجدير بالذكر أن الأخلاق لها قدرة فائقة في التأثير ، سواء كانت حسنة أم سيئة ؛ إن نشاطك وحيويتك سوف يؤثر على زوجتك دون أن تشعر بذلك ، وسرعان ما تبدو ملامح النشاط في وجهها ، وينعكس على تصرفها ،
.
وبالعكس ؛ ذلك أن النفس الإنسانية تبدو في بعض الأحيان وكأنها مرآة تنعكس فيها المؤثرات الخارجية بسرعة .
فإذا بدت زوجتك عنيفة حادة الطبع عصبية المزاح ، فإن ابتسامتك وطلاقة وجهك ستفعل فعلها وستدفع بها إلى التراجع والشعور بقدر من الحياء .
إن أفضل ما يقوم به الزوج تجاه زوجته هو ليس التشكّي بل السعي إلى الاقتراب من زوجته وفهم ما يدور في خلدها وما يعتمل في قلبها ، ولا شك أن إدراك سيساهم في حل المشكلة أو التخفيف من حدتها على الأقل .
.
الفصل الثامن
الأهداف المادية :
الزواج رباط الهي مقدس والحياة الأسرية حياة سامية ولذا فإن تشكيل الأسرة ينبغي أن ينهض على أسس رفيعة ومن أجل أهداف عالية ، لكي يمكن لها الديمومة والاستمرار والثبات .
إن ما ورد عن النبي ( صلى الله عليه و آله ) وكذلك ما أيّدته التجارب والمشاهدات اليومية ليؤكد بأن الزواج الذي يقوم على أساس الجمال أو الثراء هو زواج لا بد وأن ينتهي إلى الإخفاق والفشل ، ذلك أن هذه الأهداف قصيرة المدى ضعيفة الأساس خاوية المعنى ، وهي سرعان ما تنهار ، وبالتالي ينهار البناء برمّته .
إن الحياة الزوجية يجب أن تنهض على أساس الاحترام الكامل والمتبادل لكرامة الإنسان وإنسانيته ، وهو أمر ـ ومع بالغ الأسف ـ قد قوضّته إلى حد ما المدينة الحديثة .
وفي هذا العصر كثيراً ما نشاهد أزواجاً أو زوجات ، ومن أجل مظاهر الحياة الدنيا ـ يحولون بيوتهم ، التي ينبغي أن تكون أعشاشاً دافئة ، إلى ميادين للحرب والصراع ، حيث يكون همّ كلّ منهما قهر صاحبه .
تأمين الميزانية :
لا ريب في أن الحياة الأسرية تحتاج ، ومن أجل تسيير شؤونها اليومية إلى ميزانية يمكنها تغطية الحاجات الأساسية وغير الأساسية بشكل متوازن .
إن النظام الإسلامي يجعل هذه المسألة من مهمات الرجل التي لا تقبل
.
نقاشاً ، حتى لو بلغت المرأة من الثراء حداً يمكنها القيام بذلك ، ولذا فليس من حق الرجل أن يمدّ عينيه إلى ثروة زوجته أو يقرر له حقاً فيها أو يأمرها بالمساهمة في الإنفاق على شؤون الأسرة .
وفي مقابل هذا يوصي الإسلام المرأة أن تتكيف مع المستوى المعاشي لزوجها ، وأن تنتهج منهجاً معتدلاً في الإنفاق بما يتوافق مع إمكانات الرجل وأن لا تفعل ما من شأنه أن يدفع بالزوج إلى مضاعفة عمله والإجهاد من أجل تغطيه نفقات البيت أو يدفعه ـ لا سمح الله ـ إلى ارتكاب الحرام من أجل ذلك .
وهذه المسألة نراها واضحة جلية في حياة الأزواج من الشباب ، فمن أجل إثبات حبهم يتمسكون بهذا الجانب دون رعاية لوضعهم الاقتصادي .
وفي البحث عن الأسباب التي تؤدي إلى النزاعات ذات الصبغة المادية ، والتي غالباً ما تؤدي إلى شلّ الحياة المشتركة أو التفكير بالانفصال ، يمكن الإشارة إلى ما يلي :
1 ـ الوعود الكاذبة :
لقد أشرنا فيما مضى إلى أن بعض الزيجات تنهض على أساس خاطىء حيث يكون الهدف ـ مثلاً ـ كسب الثراء والتمتع بأملاك الطرف الآخر .
ومن أجل هذا يقوم البعض بدور الثري ويحاول من خلال ذلك النفوذ إلى قلب الفتاة وأهلها ، وبالتالي موافقتهم على الزواج على أساس بعض الوعود ، ثم سرعان ما تظهر الحقيقة كاملة ولكن بعد فوات الأوان وحينها ينشب النزاع .
وقد يحصل ذلك حتى بعد الزواج حيث تشترط الزوجة ذلك ، فيقوم الزوج ، ومن أجل إثبات حبه لها ، بإطلاق الوعود الذهبية التي لا تجد لها في أرض الواقع مكاناً مما يؤدي بالزوجين إلى النزاع .
2 ـ الكماليات :
من أسباب النزاع في الحياة الزوجية بل وحتى الوقوع في الحرام ،
.
خاصة لدى الرجال ، هي كماليات المرأة ، ذلك أن إنفاق الزوجة في هذا المضمار لا يكاد ينتهي بل إنه قد يسجل خطاً بيانياً متصاعداً بمرور الأيام ، مما يزيد في أعباء الرجل وإرهاقه بالطلبات المستمرة ، الأمر الذي يؤدي به في بعض الحالات إلى أن يمد يده إلى الحرام ، وهي بداية انهيار الرجل وسقوطه ، وبالتالي سقوط وانهيار الأسرة في النهاية .
إن اعتدال المرأة في الإنفاق والحد من شراء الكماليات هو دليل على حسن نواياها تجاه زوجها وأبنائها ، الأمر الذي يهيىء جواً من الصفاء الروحي والسعادة .
نعم ، إن المال يحل العديد من المشاكل ويطفىء الكثير من الرغبات الملتهبة ، ولكنه عاجز عن أن يهب الروح ذلك الشعور الهادىء بالطمأنينة والسلام .
3 ـ هاجس المادة :
قد ينشب النزاع أحياناً بسبب هاجس الحياة المادية ، فقد يشعر البعض لدى سماعهم أو مشاهدتهم حياة الآخرين بالحقارة فيسعى ، ومن أجل التنفيس عن عقدته تلك ، إلى تفجير الوضع مع زوجه ، أو ربما يجنح الخيال ببعضهم فيصور أنه قد خسر في زواجه الكثير ، وأنه قد تحطم ، ولذا يسعى إلى الانتقام من خلال النزاع مع شريك حياته ، وأنه بذلك سيسترد كل ما قد خسره غافلاً عن أن النزاع سيأتي على البقية من عمره ، فمسلسل النزاع لا ينتهي ، وإذا انتهى فإلى الطلاق والانهيار الشامل للوجود العائلي .
4 ـ المظاهر الفارغة :
يعصف النزاع في بعض الأحيان بسبب المظاهر الفارغة التي تنشأ عادة عن التنافس وهاجس التقدم والتحرك في ضوء ما تفرضه الموديلات الحديثة ، والخوف من التخلف في هذا الميدان !.
فمثلاً يسعى أحدهم لشراء ساعة جميلة ، ذلك أن ساعته تبدو قديمة في مقياس موضة اليوم .
.
أو تسعى إحداهن لشراء تحفة تضعها في أحد الرفوف تزيد في المنزل جمالاً وتكسبه رونقاً ، في غفلة عن أن جمال البيت الحقيقي هو في شيء آخر ينبض بالحياة لا في تلك الأشياء الميّتة .
إن اللهاث وراء المظاهر الفارغة لا يكسب المرء شأناً ولا يمنحه قيمة ، بل أن بعض النزاعات التي تحطّ من قدر الإنسان وسمعته إنما تنشأ بسبب تلك المظاهر التافهة .
5 ـ الطموح اللامعقول :
هناك بعض النساء يطمحن إلى أشياء لا يمكن تحقيقها ، إذا أخذن بنظر الاعتبار وضع أزواجهن المعاشي ، ولذا فإن طلباتهن لا تنتهي ، ولا تقف عند حدّ معين ، ولأن تنفيذ هذه الطلبات خارج عن إمكانات الزوج عند ذلك يبدأ النزاع .
من الخطأ أن تمد المرأة يدها دائماً إلى الرجل وتطلب منه أن ينفّذ لها ما تطمح إليه . إن عزة المرأة وكرامتها تكمن في استغنائها عن الرجل وعدم الإلحاح عليه في الطلب . لقد ورد في كتب التاريخ أن فاطمة الزهراء لم تطلب من زوجها ـ سلام الله عليها ـ شيئاً .
إن الرجل العاقل ليدرك ما تطمح إليه زوجته ، ولذا فهو يسعى ـ حتى إذا لم تطلب منه ذلك ـ إلى تحقيق طموح زوجته .
ما جدوى الطموحات التي تكون آثارها معاناة وعذاباً للطرف الآخر أو ربما سقوطه في بؤرة الحرام ؛ كل ذلك من أجل تأمين تلك الطلبات وتحقيق تلك الطموحات .
6 ـ سوء الظن :
قد يعصف النزاع في الحياة الزوجية ـ خاصة لدى الشباب ـ انطلاقاً من سوء الظن ، فقد نجد المرأة ـ مثلاً ـ تشكك بأن زوجها ينفق مرتبه أو ما يكسبه من المال في التسكع والعبث واللهو أو في موارد أخرى لا تعرفها .
.
وقد يظن الرجل بأن زوجته تنفق المال المقرر لتغطية نفقات البيت في موارد تافهة أو تدخره لأمور يرفضها تماماً ، ومثل هكذا مشاكل يمكن حلها من خلال حوار هادىء لحساب الدخل وما يتطلبه المنزل من نفقات ، كما يمكن القضاء على جذور الشك تماماً من خلال مصارحة الزوجين بعضهما البعض وعدم الاحتفاظ بالأسرار التي لا طائل من ورائها سوى النزاع والمشاكل .
7 ـ اللامبالاة :
نشعر بالأسف عندما نصادف أشخاصاً يعيشون في دنياهم دون شعور بالمسؤولية ودون أي اعتبار للآخرين ، وأكثر هؤلاء طبعاً إن لم نقل كلهم هم من المدمنين على الخمر أو المخدرات ، هؤلاء الذين لا هم لهم سوى أنفسهم ولا يحملون في أعماقهم الخاوية أي تفكير بأزواجهم وأولادهم .
إن أول بند في الحياة الزوجية هو الاشتراك والمشاركة في كل شيء ، فإذا كان هناك جوع فينبغي أن يجوع الجميع ، وإذا كان هناك فقر فينبغي أن يعم الجميع ، وإذا كان هناك أمل فيجب أن يضيء قلوب الجميع . الأسرة وحدة واحدة لا تتجزأ ، وعلى الرجل ـ باعتباره المسؤول الرئيس ـ أن يكون همه الأول زوجته وأبناؤه ؛ وعلى هذا فينبغي عليه أن يرفض حتى الولائم التي يدعونه إليها إذا عرف بأن أهله وعياله سيبقون دونما طعام ذلك اليوم . ليس من حقه أن يملأ معدته في حين يتضور عياله جوعاً . إن وجوده بينهم وتحمله للجوع والفقر باعث على بث الأمل والرجاء وروح التضامن في الأسرة .
لقد كان أمير المؤمنين علي ( عليه السَّلام ) امبراطوراً للشرق ولكنه كان يبيت جائعاً « فلعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع » .
8 ـ الفقر خنجر مسموم :
سرعان ما تلتئم جراح الجسد ولكن ما أصعب التئام جراح الروح . إن الفقر خنجر مسموم يصيب الكرامة في الصميم . ومع الأسف ، تقوم بعض النساء ، وبسبب فقر أزواجهن ، بصب اللعنات تلوَ اللعنات عليهم وتوجيه
.
ذلك السلاح الرهيب لتصيب منهم مقتلاً وتحويلهم بالتالي إلى مجرد عبيد لا حول لهم ولا قوة .
وإذا ما حدث وخامر البعض إحساس بالمهانة وقام ـ ومن أجل الخلاص من هذا الوضع المزري ـ بارتكاب عمل حرام كالسرقة أو الاختلاس ، فإن مسؤولية المرأة في ذلك غاية في الوضوح .
9 ـ عمل المرأة :
من أجل تغطية نفقات البيت ومواجهة أعباء الحياة تدخل المرأة ميدان العمل ، وبالرغم من أن هذا العمل سيعالج جانباً من المشاكل إلا أنه سيكون باعثاً لمشاكل أخرى ، ذلك أن غياب المرأة عن البيت يعني غياب الدفء عن المنزل ، وغياب ذلك الحنان الذي يضم بين حناياه الأطفال ، وسيحدث خلل في ميسرة الحياة داخل المنزل ، فعودة الرجل والمرأة إلى البيت وهما مرهقان ثم تناولهما طعاماً مؤلّفاً من عدة شطائر أحضراها خلال عودتهما من العمل ، سيخلف بعض التراكمات في النفوس ، كما أن غياب المرأة عن المنزل يعني حضور الخادم أو الممرضة أو .. ، وهذا أيضاً يضيف إلى المتاعب قدراً آخر مما يؤدي في المدى البعيد إلى انفجار الوضع وانهيار الأسرة .
10 ـ الشعور بالغربة :
هناك العديد من المشكلات التي تحدث في الحياة الزوجية من جراء الإحساس والشعور بالغربة ، فمثلاً يمد الرجل يده إلى شيء في البيت فتعترضه زوجته قائلة : إنه يتعلق بي . إنه ملكي ، ولا يحق لك أن تتصرف به أو حتى أن تلمسه .
وربما ودت المرأة أن تبدي رأيها في موضع ما فينهرها الرجل قائلاً : ليس من حقك التدخل في هذا الموضوع ، إنه لا يتعلق بك لا من قريب ولا من بعيد .
إن الحياة الأسرية تعني الحياة المشتركة تحت سقف واحد ، تعني
.
ذوبان الزوجين واشتراكهما في كل شأن وفي كل شيء .
إن أولى مستلزمات الحياة المشتركة هي غياب ضمير الأنا في التفكير والممارسة والحديث ، فالحياة الزوجية أشبه ما تكون برحلة يقوم بها صديقان حيث تتطلب منهما التعاون في كل شيء وفي كل عمل .
حديث في عمل المرأة :
لا يمنع الإسلام المرأة من العمل إذا تمكنت من رعاية الموازين الشرعية والأخلاقية ولم يكن هناك ما يخدش عفتها ، ومع كل ذلك فإن الآثار التي تترتب على عمل المرأة كغياب الدفء العائلي وإهمال الأطفال وتركهم ضائعين إن كل هذه الآثار ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار .
الرجل هو المسؤول عن تأمين الجانب المعاشي في الأسرة ، وللمرأة وظيفتها في إدارة المنزل ، وقد عيّن لها الشرع والقانون حقوقها كاملة ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فقد أثبتت الدراسات والبحوث أن عمل المرأة وإجهادها قد يصل بها إلى تجاوز الحياة الجنسية وإيثار النوم لتوفير ساعة من الراحة مما يترتب على ذلك الكثير من الآثار .
إن محاولة تغطية بعض نفقات البيت لا يبرر للمرأة إقدامها على العمل وضرب النظام وقيامها بعمل ليس من واجبها وتركها لواجب أهم بكثير مما تؤديه خارج المنزل . وإذا كانت المرأة تستهدف من وراء عملها توفير بعض متطلبات الحياة الأسرية فماذا تفعل إزاء النزاع الذي يهدد الأسرة كلها بالدمار ؟!.
لقد خلقت المرأة لتكون نبعاً فيّاضاً من الحنان والحب من أجل أن تقوم بواجبها في تربية جيل كريم وشجاع ، وأن بعض الأعمال تتناقض و واجبها الأصلي أو تقضي عليه .
قد تقتضي الضرورات أن تشارك المرأة وتدخل ميدان العمل في حقول التعليم أو الطب أو التضميد ، ومع كل ذلك ينبغي عليها مراعاة عملها الأساس في تربية أبنائها وتنشئتهم النشأة الصحيحة .
.
الاعتدال في الإنفاق :
ينبغي رعاية جانب الاعتدال في الإنفاق وعدم الإسراف ، واعتبار المال والطعام والكساء مجرد وسائل وليست أهدافاً تستحق اللهاث وراءها والسقوط في دائرة الحرام من أجلها ، وقد نهى الإسلام عن الإسراف في الطعام واللباس ودعا إلى سلوك الطريق الوسط فخير الأمور أوسطها ، وفي نفس الوقت الذي ينهي فيه عن الإسراف والتبذير ينهى أيضاً عن البخل والتقتير بل يعتبره سوء ظن بالله سبحانه .
وفي هذا الجانب تلعب المرأة دوراً بارزاً حيث تقوم ، ومن خلال حسن إدارتها ، بتوفير أشياء كثيرة بوسائل بسيطة مما يمكنها من توفير بعض المال تحسّباً للمستقبل .
وعلى الرجل إذا كان متمكناً أن لايقصّر في الإنفاق على زوجته وأولاده وفي الحدود المعقولة .
تحمل أعباء الحياة :
الحياة نوع من الواجب الذي ينبغي تحمله بالرغم من كل المعاناة في ذلك ، ومن الخطأ أن نتّكل على غيرنا في تحمل أعباء الحياة أو نطلب من الآخرين ـ أصدقاء وأقرباء ـ أن يحملوا عنا همومها .
صحيح أن الفقر يجعل من الحياة مرة صعبة التحمل ويخلق نوعاً من المعاناة ، إلا أن هناك الكثير من الشباب الذين تزوجوا انطلاقاً من الأخلاق والروح ، يحب بعضهم بعضاً إلى درجة العبادة بالرغم من أن أغلبهم يبيتون دون طعام أو يكتفون بكسرة خبز .
الفقر وضيق ذات اليد قد يتسبب في إيجاد المعاناة ولكنه ليس مبرراً للنزاع ، وأن على الرجل والمرأة أن يتحملا أعباء الحياة وأن يصبرا على الجوع والظمأ ، وأن يجعلا رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) وأزواجه نصب أعينهم دائماً ، فقد كانت بعض نسائه يبتن جائعات لأنهن لم يكن ليجدن ما يسد به الرمق ، بل قد تمر أيام فلا يشاهد أثر لدخان طبخ .
.
وهذا الجانب يحظى بأهمية فائقة في الحياة الزوجية إذ ينبغي أن تكون أسس الزواج أسمى من كل الحاجات المادية وأن يواجه الزوجان كل مصاعب الحياة بروح من الصبر والتحمل وأن لا تكون مظاهر الحياة الفارغة التافهة سبباً في تقويض الأسرة والعائلة ، وأن تكون الآية الكريمة في قوله تعالى : ( إن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا ) نصب أعينهم على الدوام .
 

1 | 2 | 3| 4